الدكتور خالد العاص

مجلس النواب... بين حسابات الرئاسة ومسؤولية المرحلة

نبض البلد -
د. خالد العاص
مع اقتراب استحقاق رئاسة مجلس النواب، تعود الأسماء والتحالفات والتفاهمات إلى واجهة المشهد البرلماني، وهذا أمر مفهوم في أي مجلس، لكن ما يشغل الأردنيين اليوم ليس اسم الرئيس المقبل وحده، بل ما إذا كان المجلس قادراً على تقديم أداء مختلف في التشريع والرقابة، والتعامل بجدية مع القضايا التي تمس حياتهم؛ فالناس لا تنتظر من النواب أن يحسنوا إدارة شؤونهم الداخلية بقدر ما تنتظر منهم أن يحسنوا تمثيلها والدفاع عن مصالحها.
والملاحظ أن الحديث عن رئاسة المجلس ومواقع المكتب الدائم يستحوذ في العادة على اهتمام يفوق النقاش حول أولويات العمل النيابي، ونسمع كثيراً عن التحالفات وحسابات الأصوات، لكننا نسمع أقل عن البرامج التي ستتبناها الكتل، أو القوانين التي ستعطيها الأولوية، أو الطريقة التي ستتعامل بها مع الحكومة. وهنا تكمن المشكلة؛ فالثقة بالبرلمان لا تُبنى من خلال التفاهمات على المواقع، وإنما من خلال ما ينجزه النواب تحت القبة، وما يلمسه المواطن من أثر لهذا الإنجاز.
وقد منح مشروع التحديث السياسي الأحزاب فرصة أوسع للحضور في مجلس النواب، لكن هذه الفرصة تضعها أمام مسؤولية أكبر، والمطلوب من الكتل الحزبية ألا تكون مجرد تجمعات تبحث عن موقع في معادلة الرئاسة، بل أن تقدم مواقف واضحة من القضايا المطروحة، وأن تلتزم ببرامجها أمام الناخبين. وإذا ظلت التحالفات تتغير مع كل استحقاق داخلي، من دون أن تستند إلى تفاهمات سياسية وبرامجية، فسيبقى العمل الحزبي داخل المجلس أقل من الطموحات التي رافقت مسار التحديث.
ولا خلاف على أهمية موقع رئيس مجلس النواب؛ فطريقة إدارة الجلسات، والتعامل مع الخلافات، واحترام النظام الداخلي، وإتاحة المجال للنواب، كلها أمور تؤثر في صورة المجلس وأدائه. لكن الرئاسة، مهما كانت خبرة من يتولاها، لا تستطيع تعويض ضعف اللجان أو غياب العمل الجماعي داخل الكتل؛ فالبرلمان يحتاج إلى نواب يتابعون التشريعات بجدية، ويمارسون الرقابة على الحكومة من دون مجاملة أو استعراض، ويعرفون متى يتعاونون معها ومتى يعترضون على قراراتها.
وأمام المجلس ملفات لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي، والموازنة العامة، والتشغيل والاستثمار، والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه قضايا تمس حياة المواطنين مباشرة، وتحتاج إلى نقاش يستند إلى الأرقام والحقائق، لا إلى المواقف الإعلامية. والمطلوب أن يسأل النواب الحكومة عما تحقق من وعودها، وعن أثر قراراتها على الناس، وأن تكون لديهم القدرة على تقديم بدائل حين يرون أن السياسات المطروحة لا تحقق المصلحة العامة.
وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، تزداد مسؤولية البرلمان في التعامل مع القضايا الوطنية بحكمة ووضوح، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، ومن المهم أن يكون للمجلس صوت يعبر عن الموقف الوطني الأردني، وأن يناقش في الوقت نفسه انعكاسات التطورات الإقليمية على الداخل، بعيداً عن المزايدات أو الاكتفاء بالخطابات.
من هنا، فإن انتخابات رئاسة المجلس يجب ألا تحجب السؤال الأهم: ماذا سيقدم مجلس النواب للأردنيين في المرحلة المقبلة؟ فالفوز بالرئاسة قد تحسمه التحالفات والأصوات، وربما تكون الكتل النيابية قد حسمته بالفعل قبل انعقاد جلسة الانتخاب. لكن نجاح المجلس لن يُقاس بهذه الحسابات، بل بما ينجزه من تشريعات، وما يمارسه من رقابة، وبقدرته على التعامل مع هموم المواطنين واستعادة ثقتهم بالعمل البرلماني.
الأردن لا يحتاج إلى رئيس قوي يدير مجلساً ضعيفاً، بل إلى مجلس قوي تكون رئاسته جزءاً من قوته، ويضع مسؤولياته تجاه الوطن والمواطنين قبل حسابات المواقع والمقاعد.