الدكتور خالد العاص

الأجهزة الأمنية والكرك... حين تتكامل هيبة الدولة مع وحدة الوطن

نبض البلد -
د. خالد العاص
جاء الإعلان عن القبض على المتهمين الثلاثة بالاعتداء الإرهابي على كنيسة حمود في الكرك ليؤكد مجدداً أن وراء أمن الأردن مؤسسات يقظة، ورجالاً يتابعون واجبهم في ظروف لا تخلو من المخاطر والتحديات. وقد حمل هذا التطور قدراً من الطمأنينة للأردنيين بعد الجريمة التي آلمتهم، لكنه فتح أيضاً باباً للتفكير في معنى الأمن الذي نريده لوطننا؛ أمن يحمي حياة الناس، ويصون حقهم في العبادة، ويحفظ المجتمع من محاولات زرع الخوف والفرقة بين أبنائه.
والجهد الذي بذلته الأجهزة الأمنية في ملاحقة المتهمين يستحق التقدير. فالعمل الأمني لا يبدأ عند لحظة القبض، ولا تُختصر تفاصيله في خبر تعلنه الجهات المختصة. هناك متابعة وجمع للمعلومات وتنسيق ميداني وقرارات تُتخذ في أوقات حساسة، وقد أظهرت هذه القضية أهمية التعاون بين مديرية الأمن العام ودائرة المخابرات العامة والقوات المسلحة الأردنية. ومثل هذا التعاون هو ما يمنح الدولة القدرة على التعامل مع الأخطار بقدر من السرعة والدقة، ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات المكلفة بحمايتهم.
ولعل ما يستحق التوقف عنده أن العملية انتهت، وفق المعلومات المعلنة، بالقبض على المتهمين أحياء رغم المواجهة المسلحة التي رافقتها. وهذه مسألة مهمة، لأنها تتيح للتحقيق أن يأخذ مجراه، وللقضاء أن يقول كلمته على أساس الأدلة. فالحزم في مواجهة الإرهاب ضرورة، لكن قيمة هذا الحزم تزداد حين يبقى منضبطاً بالقانون. وهيبة الدولة، في نهاية المطاف، لا تقوم على قدرتها على ملاحقة المعتدين فحسب، بل على ثقة الناس بأنها تطبق القانون وتحفظ الحقوق حتى في أصعب الظروف.
لكن القضية لا تنتهي عند نجاح العملية الأمنية. فالاعتداء على كنيسة ليس جريمة بحق ضحاياه وحدهم، بل يمس شعور الناس بالأمان، ويحاول أن يترك أثراً في العلاقات التي تجمع أبناء المجتمع الواحد. وقد تكون أخطر نتائج مثل هذه الجرائم تلك التي تظهر بعد انحسار الصدمة الأولى، حين يجد الخوف أو الشك طريقه إلى النفوس. ولهذا فإن مواجهة الإرهاب تحتاج، إلى جانب الجهد الأمني، إلى وعي مجتمعي يرفض تحميل الجريمة أكثر مما تحتمل، ولا يسمح بتحويل مسؤولية أفراد إلى اتهام جماعي أو سبب للفرقة.
وللكرك في هذا الحديث مكانة خاصة. فأهلها، مسلمون ومسيحيون، تجمعهم حياة مشتركة وتاريخ من العلاقات الاجتماعية والوطنية التي لا يمكن لجريمة أن تمحوها. ومن يعرف الكرك يدرك أن روابط الناس فيها أعمق من أن تُختصر في حادثة مؤلمة، مهما بلغت قسوتها. وما تحتاجه المدينة اليوم، إلى جانب العدالة للضحايا، هو الحفاظ على هذه الروابط، والوقوف في وجه أي خطاب يحاول استغلال الألم لإضعاف الثقة بين أهلها.
والوحدة الوطنية التي نتحدث عنها في أوقات الشدة لا يصح أن تبقى مجرد كلمات تقال عند وقوع المصائب. فهي تُبنى في الحياة اليومية، حين يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن القانون يحميه، وأن اختلاف الدين لا يغيّر شيئاً من مكانته في وطنه. ومن هنا تأتي أهمية مواجهة خطاب الكراهية والتحريض، والتمسك بالمساواة وحرية العبادة، لأن المجتمع الذي يطمئن فيه الناس إلى بعضهم وإلى دولتهم يكون أقدر على تجاوز الأزمات.
لقد أدت الأجهزة الأمنية واجباً مهماً في هذه القضية، ويبقى استكمال التحقيقات وبيان الحقيقة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته جزءاً أساسياً من تحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم. أما الدرس الأوسع مما جرى في الكرك، فهو أن أمن الأردن يستند إلى أمرين لا غنى لأحدهما عن الآخر: مؤسسات قوية تعمل بكفاءة وتحت مظلة القانون، ومجتمع يعرف قيمة وحدته ولا يسمح للجريمة بأن تفرّق بين أبنائه.
فهذه هي هيبة الدولة التي يحتاجها الوطن، وهذه هي الوحدة التي تستحق أن نحافظ عليها؛ دولة تحمي مواطنيها بالقانون، وأردنيون يقفون معاً حين يتعرض أمنهم وسلامهم للخطر.