بين الوعي واللاوعي والشعور واللاشعور... كانت الصدمة

نبض البلد -
جواد الخضري
ليست كل الصدمات مجرد أحداث عابرة في حياة الأوطان والشعوب؛ فبعضها يوقظ الوعي، ويختبر الضمائر، ويكشف الفارق بين من يحملون الوطن في قلوبهم، ومن لا يدركون خطورة العبث بأمنه واستقراره. وبين الوعي واللاوعي، والشعور واللاشعور، جاءت الصدمة التي أعادت إلى الواجهة أسئلة كبيرة عن المسؤولية الأخلاقية والوطنية، وعن قدرة مجتمعنا الأردني على حماية وحدته في وجه كل ما يمكن أن يهدد نسيجه الاجتماعي.
الكرك يا ديرتي، تلك المدينة التي تغنى بها الشاعر ماجد زريقات، وأبدع الفنان عمر العبداللات في أدائها، ليست مجرد مدينة تقع في جنوب الأردن، بل هي حكاية تاريخ ومجد، وعنوان للكرامة والشموخ، وذاكرة وطنية تختزن صفحات من التضحية والفداء. يدخلها القادمون من اتجاهات متعددة، من الطريق الصحراوي، ووادي الموجب، ووادي اللعبان، وطريق الخرزة، فتستقبلهم قلعتها التاريخية شامخة في قلب المدينة، شاهدة على عصور من الصمود، ورمزًا للعز والفخار والشهادة.
هذه هي الكرك التي لا يمكن اختزال تاريخها في حادثة، ولا اختصار هويتها في موقف، ولا النيل من مكانتها بما قد يرتكبه أفراد مهما بلغت فداحة أفعالهم. إنها الكرك التي ارتبط اسمها بتاريخ الأردن، وبمواقف رجاله ونسائه، وبقيم الشهامة والوفاء والنجدة التي توارثتها الأجيال.
وحين نستحضر تاريخ الكرك، فإننا لا نستحضر الماضي لمجرد التفاخر به، وإنما نستعيد منه الدروس والعبر. ومن الروايات التاريخية المتداولة في الذاكرة المحلية ما يُروى عن الشيخ إبراهيم الضمور وزوجته الشيخة علياء الضمور، وما ارتبط بقصتهما من معاني حماية الدخيل والوفاء للعهد والتضحية. وتبقى هذه الروايات، بما تحمله من دلالات، بحاجة إلى التوثيق التاريخي الدقيق عند عرض تفاصيلها، حتى تبقى الذاكرة الوطنية راسخة على أساس من المعرفة والمصداقية.
كما لا يمكن الحديث عن الكرك دون استحضار رموز أردنية تركت بصماتها في تاريخ النضال والتضحية، وفي مقدمتهم المناضلة تيريزا هلسه، والشهيد الطيار معاذ الكساسبة، وشهداء قلعة الكرك الذين واجهوا الإرهاب دفاعًا عن وطنهم وأمن أبنائه. إن قائمة الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الأردن طويلة، وتستحق مجلدات من التوثيق والوفاء؛ لأن تاريخ الأوطان لا يُكتب بالحبر وحده، بل تكتبه أيضًا تضحيات أبنائها وبناتها.
ولعل من أجمل ما تختزنه الذاكرة الشعبية الأردنية ذلك البيت الذي يتردد في السامر والأفراح، مستحضرًا تلاقي الفرسان وتكاتف أبناء الجنوب:
«تناخت شباب الكرك ومعان والشوبك
مع فرسان الطفيلة».
إنها ليست مجرد أبيات تُقال في مناسبة، بل صورة من صور التلاحم الأردني، ودليل على أن أبناء هذا الوطن عرفوا، عبر تاريخهم، أن قوتهم في اجتماعهم، وأن المصير الواحد لا تفرقه اختلافات الأصول أو الأديان أو المنابت. لم يكن السؤال يومًا عن هوية الأردني الدينية أو أصله الاجتماعي حين يكون الوطن في حاجة إلى أبنائه؛ فالجميع شركاء في الأرض والتاريخ والمستقبل، تجمعهم الهوية الوطنية الأردنية، وتظل القيادة الهاشمية إطارًا دستوريًا وتاريخيًا جامعًا للدولة الأردنية.
ومن هنا، تأتي خطورة ما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك. فحين تقع حادثة تمس حرمة الإنسان وكرامته، وتثير مشاعر الألم والغضب في المجتمع، فإن المسؤولية لا تقتصر على إنفاذ القانون ومحاسبة مرتكبي الجريمة، بل تمتد إلى حماية السلم الأهلي، ومنع استغلال المأساة لبث الكراهية أو توسيع الشروخ بين أبناء الوطن الواحد.
إن ما حدث لا يمكن تبريره، ولا يجوز التقليل من خطورته أو التعامل معه باعتباره أمرًا عابرًا. فالاعتداء على الإنسان، وانتهاك حرمته، والإخلال بأمن المجتمع، أفعال تستوجب المساءلة القانونية والأخلاقية، أيًا كان مرتكبوها. ولا يكتمل العدل إلا بكشف الحقيقة، وتطبيق القانون، وضمان ألا تتحول جريمة يرتكبها أفراد إلى سبب لإدانة مجتمع كامل أو تحميل جماعة بأسرها مسؤولية أفعال لم ترتكبها.
لقد جاءت الاستجابة الرسمية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، لتؤكد أهمية التعامل الحازم مع مثل هذه الأحداث، وحماية المواطنين وصون أمنهم. كما أن دور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأمن العام، وسائر الأجهزة المختصة، يعكس أهمية مؤسسات الدولة في حفظ الأمن وملاحقة الخارجين على القانون. وتبقى قوة الدولة الحقيقية في قدرتها على الجمع بين الحزم والعدالة، وبين حماية المجتمع وضمان الحقوق، وبين منع الجريمة والحيلولة دون أن تتحول تداعياتها إلى فتنة.
إن الأردن، الذي واجه عبر تاريخه تحديات كثيرة، لا يستمد قوته من أجهزته ومؤسساته وحدها، بل من تماسك شعبه، ووعي أبنائه، وثقتهم بدولتهم، وتمسكهم بمبدأ أن الخلاف لا يبرر الاعتداء، وأن الجريمة لا تعالج بجريمة، وأن القانون هو المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.
وإذا كان مرتكبو الحوادث الإجرامية يتحملون مسؤولية أفعالهم، فإن المجتمع كله يتحمل مسؤولية حماية وحدته، والتصدي لكل خطاب يحاول توظيف الألم والغضب لإشعال الخصومة بين الأردنيين. فالفتنة لا تبدأ دائمًا بفعل كبير؛ فقد تبدأ بكلمة، أو بإشاعة، أو باتهام جماعي، ثم تتسع إذا غاب العقل وتراجع صوت الحكمة.
ومن هنا، فإن الرسالة الأولى التي ينبغي أن تصل إلى كل من يراهن على انقسام الأردنيين هي أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا موسميًا، ولا علاقة عابرة تفرضها الظروف، وإنما هي أساس استقرار الدولة ومستقبلها. وقد أثبت الأردنيون، في محطات كثيرة، أنهم أكثر وعيًا من محاولات التفريق بينهم، وأن الروابط التي تجمعهم أعمق من أن تهدمها حادثة أو تضعفها دعوة إلى الكراهية.
أما الرسالة الثانية، فهي إلى كل من يتخذ من الدين أو الوعظ أو ادعاء الصلاح ستارًا لتحقيق مصالح شخصية، أو للتأثير في الناس بغير الحق، أو لإثارة العداوة بينهم. فالدين أخلاق ومسؤولية ورحمة، وليس وسيلة للخداع أو غطاءً للمصالح الخاصة. وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن صورة المنافق الذي يتستر بلباس الوعظ في قصيدته الشهيرة:
«برز الثعلب يومًا
في ثياب الواعظينا».
إن العبرة في هذا البيت ليست في المظهر الذي يراه الناس، بل في حقيقة السلوك الذي تكشفه الأفعال. فالمجتمعات لا تُحمى بكثرة الشعارات، وإنما بصدق المواقف، ونزاهة العمل، واحترام الإنسان، والابتعاد عن كل ما يزرع الشك والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. ومن يدّعي الإصلاح، فعليه أن يكون أول الملتزمين بأخلاقه، وأن يثبت صدق دعوته بالفعل قبل القول.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاختلاف وإثارة الفتنة، وبين المطالبة بالحق ومحاولة استغلال المآسي لتحقيق أهداف لا تخدم الوطن. فليس كل اختلاف مؤامرة، وليس كل ناقد عدوًا، لكن التحريض على العنف والكراهية، متى ثبت، لا يمكن تبريره تحت أي عنوان.
أما الرسالة الثالثة، فهي إلى كل أردني وأردنية يحملان في قلبيهما محبة هذا الوطن والحرص على مستقبله: إن المرحلة تحتاج إلى وعي ومسؤولية وضبط للنفس، وإلى التمسك بالقيم التي عرفنا بها مجتمعنا الأردني؛ قيم النخوة والشهامة والرحمة واحترام الجار وصون كرامة الإنسان.
نعم، تترك الحوادث المؤلمة جروحًا عميقة في نفوس الأمهات والآباء والأبناء والأقارب، وتترك أثرًا في المجتمع كله. ولا يجوز مطالبة أصحاب الألم بأن ينسوا ما جرى أو يتجاوزوا مشاعرهم بسهولة. لكن واجبنا جميعًا أن نمنع الألم من التحول إلى كراهية، وأن نترك للعدالة طريقها، وللقانون سلطته، وللحكمة دورها في حماية المجتمع.
إن الكرك ستبقى جزءًا أصيلًا من الأردن، بتاريخها وأهلها وقلعتها وشهدائها، وستبقى حمود قرية أردنية عزيزة، وأهلها جزءًا من النسيج الوطني الذي لا يجوز أن تنال منه جريمة أو تستهدفه محاولات التحريض. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن نقف إلى جانب المتضررين، وأن نطالب بالعدالة، وأن نحمي في الوقت نفسه حق كل مواطن في الأمن والكرامة.
ولمن يريد أن يفهم الأردن، فإن عليه أن يقرأ سرديته الوطنية كاملة؛ سردية تأسست على الشراكة والتضحيات، وعلى تلاقي الأردنيين من مختلف المنابت والأصول، وعلى مؤسسات الدولة التي عملت على حماية الاستقرار وصون السيادة. وهي سردية لا تقوم على إلغاء الاختلاف، بل على إدارته في إطار القانون والمواطنة، ولا تستمد قوتها من الانتقام، بل من العدالة والتماسك والثقة بالمستقبل.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الدستورية وشعبه الواعي، أكبر من كل حادثة، وأقوى من كل محاولة لإشعال الفتنة. وستظل قوته الحقيقية في وحدة أبنائه، وفي احترام القانون، وفي رفض الظلم، وفي الإيمان بأن أمن الوطن وكرامة الإنسان مسؤولية مشتركة لا تقبل المساومة.
فالصدمة قد توقظ الوعي، والألم قد يختبر الضمائر، لكن الأوطان لا يحميها الغضب وحده؛ إنما يحميها العقل، والعدل، والوحدة الوطنية، والتمسك بالقيم التي تجعل من اختلاف الأردنيين مصدر غنى وقوة، لا بابًا للفرقة والخصام.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل وحدته الوطنية حصنًا منيعًا في وجه كل فتنة، وكل محاولة للنيل من عزته وكرامة أبنائه.