مؤسسة ولي العهد.. عشرة أعوام من تمكين الشباب وصناعة المستقبل

نبض البلد -

المحامي الدكتور علي سليم الحموري

أستاذ مشارك في القانون الدولي العام

جامعة العلوم التطبيقية الخاصة

في مسيرة الدول، لا تُقاس الإنجازات الكبرى بعدد السنوات التي تمضي، بل بما تتركه من أثر في حياة الإنسان، وما تفتحه من آفاق أمام الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، تأتي الذكرى العاشرة لتأسيس مؤسسة ولي العهد محطةً وطنية تستحق التأمل في تجربة أردنية وضعت الشباب في صميم العملية التنموية، وانتقلت بمفهوم تمكينهم من حدود الخطاب إلى فضاء المبادرات والبرامج والشراكات المؤسسية.

وقد حمل الاحتفال الذي رعاه سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، نائب جلالة الملك، بحضور سمو الأميرة رجوة الحسين، دلالات تتجاوز الاحتفاء بمرور عقد على تأسيس المؤسسة؛ إذ جسّد رؤية وطنية تؤمن بأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل شركاء في صياغة مستقبلها، وأن الاستثمار في قدراتهم ومعارفهم ومهاراتهم يمثل استثمارًا في قوة الدولة واستقرارها وتقدمها.

لقد أدرك سمو ولي العهد أن التحديات التي تواجه الشباب لا يمكن معالجتها بالحلول التقليدية وحدها، وأن بناء جيل قادر على المنافسة والإبداع يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والتدريب والابتكار وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية. ومن هنا، شكّلت مؤسسة ولي العهد نموذجًا للعمل المؤسسي الذي يسعى إلى تحويل الطاقات الشبابية إلى فرص حقيقية، وربط الطموحات الفردية بالأولويات الوطنية.

ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة أنها تنطلق من مفهوم شامل للتمكين، لا يقتصر على تنمية المهارات التقنية والمهنية، وإنما يمتد إلى بناء الشخصية القيادية، وتعزيز الثقة بالنفس، وترسيخ روح المبادرة والمسؤولية والانتماء. فالشاب الذي يمتلك المعرفة دون أن تتاح له فرصة توظيفها يظل محدود التأثير، كما أن الفرصة التي لا تستند إلى تأهيل حقيقي قد تفتقر إلى مقومات الاستدامة. ولذلك، فإن نجاح سياسات تمكين الشباب يرتبط بقدرتها على الجمع بين بناء القدرات وإتاحة الفرص وتهيئة البيئة الداعمة.

وتبرز جامعة الحسين التقنية، إحدى مبادرات المؤسسة، بوصفها نموذجًا يعكس أهمية الربط بين التعليم ومتطلبات المستقبل، في وقت تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتغير احتياجات سوق العمل. فلم يعد كافيًا أن تمنح المؤسسات التعليمية شهادات أكاديمية، بل أصبح مطلوبًا منها إعداد كوادر تمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار والقدرة على التكيف مع التطورات العلمية والمهنية، بما يعزز تنافسية الشباب الأردني على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا تنفصل هذه الرؤية عن أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات؛ ذلك أن قضايا الشباب، وفي مقدمتها التشغيل والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، تتجاوز قدرة أي مؤسسة منفردة على معالجتها. ويكتسب تكريم الشركاء والداعمين خلال الاحتفال دلالة مهمة، مفادها أن التنمية المستدامة مسؤولية مشتركة، وأن استمرارية المبادرات تتطلب بناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد، تقوم على التكامل والمساءلة وقياس النتائج.

ومن منظور حقوقي وتنموي، يرتبط تمكين الشباب ارتباطًا وثيقًا بإعمال حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة وتكافؤ الفرص. فالشباب ليسوا مجرد طاقة اقتصادية يُراد استثمارها، وإنما هم أصحاب حقوق وشركاء في تحمل المسؤوليات الوطنية. وكلما اتسعت فرص مشاركتهم في صنع القرار وتطوير المبادرات المجتمعية، تعززت قيم المواطنة وسيادة القانون والثقة بالمؤسسات.

وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي والاقتصاد الرقمي، تبرز أمام مؤسسة ولي العهد فرصة لتعميق أثر تجربتها خلال العقد المقبل، من خلال توسيع البرامج المرتبطة بالمهارات الرقمية والاقتصاد الأخضر والابتكار البيئي وريادة الأعمال المستدامة. فهذه المجالات لم تعد خيارات تنموية ثانوية، بل أصبحت من أهم محددات المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للأجيال الجديدة.

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي إيلاء مزيد من الاهتمام بالشباب في المحافظات والمناطق الأقل حظًا، وتعزيز وصولهم العادل إلى فرص التدريب والتأهيل والابتكار. فالمعيار الحقيقي لنجاح المبادرات الوطنية لا يتمثل في عدد البرامج المنفذة أو المشاركين فيها فحسب، بل في قدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام في حياة الشباب، وفتح مسارات جديدة أمامهم للمشاركة والإنتاج والقيادة.

ومن المهم، في هذا السياق، أن يقترن التوسع في المبادرات بتطوير أدوات مستقلة لقياس أثرها، تستند إلى مؤشرات واضحة تتعلق بفرص العمل التي أسهمت البرامج في توفيرها، والمشروعات المستدامة، والمهارات المكتسبة، ومدى وصول المبادرات إلى الفئات والمناطق المختلفة. فالانتقال من قياس حجم الأنشطة إلى قياس أثرها التنموي يمثل أحد أهم متطلبات الحوكمة المؤسسية الرشيدة.

إن مرور عشرة أعوام على تأسيس مؤسسة ولي العهد ليس مجرد مناسبة لاستذكار ما تحقق، وإنما فرصة لاستشراف ما ينبغي تحقيقه. فالأردن، بما يمتلكه من طاقات شبابية وكفاءات علمية، قادر على تحويل التحديات إلى فرص، شريطة مواصلة الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الشراكات، وتوسيع مساحات الابتكار والمشاركة.

وتجسد تجربة مؤسسة ولي العهد إيمان سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني بقدرات الشباب، وأهمية إتاحة الفرص أمامهم للتعلم والمبادرة وصناعة الأثر. وهي رسالة وطنية تستحق أن تتحول إلى نهج مؤسسي راسخ في مختلف القطاعات؛ لأن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالمعرفة والعمل وتكافؤ الفرص والإرادة المستمرة.

وبعد عشرة أعوام من العطاء، تبقى الرسالة الأهم أن تمكين الشباب ليس مشروعًا مؤقتًا، بل خيار وطني استراتيجي، وأن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأردن يبدأ بالاستثمار في الإنسان الأردني، علمًا ووعيًا وكرامةً وقدرةً على الإنجاز. فالدول التي تمنح شبابها فرصة الإسهام في صناعة الحاضر، إنما تمنح نفسها القدرة على صناعة المستقبل.