نبض البلد - سهى الصّبيحي- فرضت التحوّلات المتسارعة في سوق العمل، ومتطلّبات التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستدامة، ضرورةَ إعادة النّظر في أنماط التّعليم الجامعيّ، والانتقال من نموذجٍ يركّز على المعرفة النّظريّة إلى نموذجٍ تتكامل فيه المعرفة مع المهارة والتّطبيق والخبرة العمليّة.
ويأتي هذا التّوجّه انسجامًا مع التّوجيهات الملكيّة السّامية نحو تطوير منظومةٍ تعليميّةٍ عصريّةٍ تقوم على الابتكار والإنتاجيّة، وتعزّز التّعليم التّطبيقيّ، وتربط مخرَجات التّعليم باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
ومن هذا المنطلَق، جاءت الكلّيّة التّقنيّة في الجامعة الأردنيّة لتقدّم نموذجًا جديدًا للتّعليم الجامعيّ يقوم على إعداد الطّالب للمهنة إلى جانب تأهيله الأكاديميّ، ويضع الخبرة العمليّة في سوق العمل في صميم التّجربة التّعليميّة، بحيث لا يكون التّدريب مرحلةً قصيرةً على هامش الدّراسة، وإنّما جزءًا أساسيًّا من المسار الأكاديميّ.
وتقدّم الكلّيّة برامج بكالوريوس تقنيّةً تمتدّ لأربع سنواتٍ، يتدرّج خلالها الطّالب في بناء معارفه ومهاراته التّقنيّة والمهنيّة، ويحصل على مؤهِّلاتٍ مهنيّةٍ معتمَدةٍ دوليًّا خلال مساره الدّراسيّ، وصولًا إلى درجة البكالوريوس التّقنيّ من الجامعة الأردنيّة.
عامٌ كاملٌ في سوق العمل
وتكمن إحدى أبرز خصوصيّات تجربة الكلّيّة التّقنيّة في أنّ الطّالب لا يكتفي بالتّدريب الميدانيّ التّقليديّ، بل يقضي سنةً دراسيّةً كاملةً في بيئة العمل ضمن مساره الأكاديميّ، ممّا يتيح له الانتقالَ من قاعات الدّراسة والمختبرات إلى بيئة العمل الحقيقيّة، والتّعامل مع المشكلات والتّحدّيات المهنيّة الفعليّة، والعمل ضمن فِرَقٍ ومؤسّساتٍ، وتطبيقِ ما تعلّمه في تخصّصه.
وتمنح هذه التّجربة الطّالب فرصةً لاكتساب مهاراتٍ لا يمكن تطويرها بالمعرفة النّظريّة وحدها، مثل التّواصل المهنيّ، والعمل الجماعيّ، وإدارة الوقت، وحلّ المشكلات، واستخدام التّقنيات والأدوات المهنيّة، وفهم متطلّبات بيئة العمل وثقافتها.
وبذلك يصبح الطّالب، عند وصوله إلى مرحلة التّخرّج، قد جمع بين المعرفة الأكاديميّة، والمهارات التّقنيّة، والخبرة العمليّة الفعليّة، وليس مجرّد متدرّبٍ يخوض تجربةً قصيرةً قبل التّخرّج.
مسارٌ تعليميّ يمنح الطّالب مؤهِّلاتٍ متدرّجةً
ويتميّز المسار التّعليميّ في الكلّيّة بمرونته وتعدّد مخرَجاته؛ فمنذ السّنوات الأولى، يبدأ الطّالب ببناء مؤهّلاته المهنيّة إلى جانب دراسته الجامعيّة؛ إذ يمكنه، بعد استكمال متطلّبات السّنة الدّراسيّة الأولى، الحصولُ على شهادةٍ مهنيّةٍ من مؤسّسة بيرسون (Pearson)، ثمّ مواصلة المسار للحصول على دبلومٍ تقنيٍّ من مؤسّسة بيرسون بعد استكمال متطلّبات المستوى التّالي.
وبعد ذلك، يواصل الطّالب دراسته في الجامعة الأردنيّة لاستكمال متطلّبات السّنوات الثّالثة والرّابعة، بما في ذلك الدّراسة الأكاديميّة والتّطبيق العمليّ والخبرة الميدانيّة، وصولًا إلى درجة البكالوريوس التّقنيّ من الجامعة الأردنيّة.
وهكذا، لا ينتظر الطّالب حتّى نهاية السّنوات الأربع للحصول على أوّل مؤهِّلٍ مهنيّ، وإنّما يبني مؤهّلاته بصورةٍ متدرّجةٍ خلال رحلته الجامعيّة، ممّا يتيح له امتلاكَ مؤهّلاتٍ قابلةٍ للاستخدام في سوق العمل في مراحلَ مختلِفةٍ من دراسته.
من الجامعة إلى سوق العمل
ويؤكّد رئيس الجامعة الدّكتور نذير عبيدات أهمّيّة هذا التّوجّه في توسيع نطاق التّعليم التّطبيقيّ في الجامعة، وربط المعرفة الجامعيّة بالمهارات العمليّة التي يحتاجها الطّلبة قبل دخولهم سوق العمل، انطلاقًا من فلسفةٍ تقوم على أنّ اكتساب الخبرة المهنيّة يجب أن يبدأ منذ السّنوات الدّراسيّة الأولى، وأنّ الطّالب يحتاج إلى فرصٍ حقيقيّةٍ لتطبيق ما يتعلّمه في بيئاتٍ تحاكي الواقع المهنيّ.
ويوضح عبيدات أنّ الكلّيّة تعتمد في توجّهها التّعليميّ على إكساب الطّلبة الخبرة العمليّة، ويتم ذلك من خلال التّدريب العمليّ، والمشاريع، ودراسة الحالات، والمختبرات، والعمل في بيئاتٍ مهنيّة، إلى جانب الشّهادات المهاريّة والمهنيّة القصيرة التي يحصل عليها الطّالب خلال سنوات الدّراسة، بما يساعده على توثيق مهاراته وإبرازها قبل التّخرّج، ويمنحه فهمًا أعمق لطبيعة المهنة والتّحدّيات التي قد يواجهها في سوق العمل.
وينوه إلى أنّ إشراك خبراتٍ من سوق العمل وبعض المؤسّسات التّعليميّة الدّولية في بناء برامج الكلّيّة وتطوير محتواها يعزّز مواءمة الخطط الدّراسيّة ومخرَجات التّعليم مع الاحتياجات الفعليّة للقطاعات المختلِفة، ويفتح أمام الطّلبة فرصةً للتّعرّف إلى التّطبيقات العمليّة لمجالات تخصّصهم، بما يعزّز جاهزيّتهم للانتقال من مرحلةِ الدّراسة إلى الحياة المهنيّة.
650 طالبًا في الفوج الأوّل
وتشير عميدة الكلّيّة الدّكتورة هديل ياسين إلى أنّ الكلّيّة استقبلت في فوجها الأوّل 650 طالبًا وطالبةً موزّعين على سبعة تخصّصاتٍ تقنيّةٍ، التحقوا بها من خلال برنامج القبول الموحّد، ضمن برامج طُوِّرَت استجابةً للتّحوّلات المتسارعة في سوق العمل ودعمًا لمسيرة التّحديث الاقتصاديّ.
وتوضّح ياسين أنّ برامج الكلّيّة تركّز على مجالاتٍ تقنيةٍ ومهنيّةٍ متنامية، وترتبط بالتّحوّل الرّقميّ والطّاقة والخدمات وسلاسل الإمداد، وتشمل: تحليل البيانات وذكاء الأعمال، والتّسويق الرّقميّ والتّجارة الإلكترونيّة، وسلاسل الإمداد واللّوجستيّات المستدامة، وهندسة الطّاقة المتجدّدة والتّقنيات الخضراء، وهندسة النّظم الذّكيّة، وإدارة الضّيافة وخدمة العملاء، وتطوير الألعاب الرّقميّة.
وتضيف أنّ فلسفة الكلّيّة لا تقوم فقط على تدريس تخصّصاتٍ جديدةٍ، وإنّما على تغيير طريقة التّعلّم نفسها؛ بحيث ينتقل الطّالب تدريجيًّا من اكتساب المعرفة إلى تطبيقها، ومن التّدريب إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى اكتساب الخبرة المهنيّة الفعليّة.
ويرى الطالب بشار، الذي التحق بتخصص النظم الذكية ضمنَ الفوج الأوّل، أنَّ اختياره للتّخصص جاء لما يجمعه من مجالات تِقْنية وهندسية متقدمة، من بينها الذكاء الاصطناعيّ، وهندسة الميكاترونكس، وأتمتة البيانات، وإنترنت الأشياء.
ويضيف أنَّ خلفيته في تخصص تكنولوجيا المعلومات ضمنَ برنامج (BTEC) أسهمت في تعزيز اهتمامه بهذا المجال، ومنحته أساسًا معرفيًّا ساعده على إدراك أهميّة التخصص وتطبيقاته المستقبليّة.
وتابع أنّ تخصص النظم الذكية يعدّ من التخصصات الحديثة التي أُتيحت هذا العام على مستوى درجة البكالوريوس، بعد أنْ كانَ يُطرح ضمنَ برامج الدراسات العُليا، ويؤكّد أن اتّساع تطبيقاته وتنامي الاعتماد على تِقنيات الذكاء الاصطناعيّ والأنظمة الذكية يجعلان منه مجالًا واعدًا يرتبط بالعديد من مسارات التطوّر التكنولوجيّ في المستقبل.
أما جنى النسور، وهي طالبة في تخصص تطوير الألعاب الرقميّة، فأوضحت أنَّ مَيلها نحوَ الجانب العمليّ كانَ من أبرز أسباب اختيارها للتّخصص، وأضافت أنَّ إنشاء الكلية التقنية في الجامعة الأردنيّة، التي وصفتها بخيارها الجامعي المفضّل، شجّعها على الالتحاق بها، لما توفره من تخصصات تقنية تجمع بينَ المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، مؤكدة أنَّ طبيعة الدراسة في الكلية تتناسب مع اهتماماتها وطموحاتها.
برامج تقنيةٌ تستجيبُ لتحوّلات سوق العمل
ويقدّم برنامج البكالوريوس التّقنيّ في تحليل البيانات وذكاء الأعمال للطّالب معارفَ ومهاراتٍ تمكّنه من التّعامل مع البيانات وتحويلها إلى معلوماتٍ ومؤشّراتٍ يمكن الاستفادة منها في اتّخاذ القرارات، ويتدرّج الطّالب في تعلّم جمع البيانات وتنظيمها وتحليلها وعرضها وتفسيرها، إلى جانب قواعد البيانات والتّحليل الإحصائيّ وذكاء الأعمال.
أما برنامج التّسويق الرّقميّ والتّجارة الإلكترونيّة، فيجمع بين التّسويق وإدارة الأعمال والتّجارة الإلكترونيّة والتّقنيات الحديثة، ويؤهّل الطّالب لفهم سلوك الأسواق والعملاء، وإدارة الحملات والمحتوى الرّقميّ، وتحليل البيانات، وتطوير تجربة المستخدم، والتّعامل مع قنوات التّجارة الإلكترونيّة ووسائل الدّفع الرّقميّة.
وفي مجال سلاسل الإمداد واللّوجستيّات المستدامة، يركّز البرنامج على إدارة حركة الموادّ والمنتجات والمعلومات من المورّد إلى العميل، مع الاهتمام بالكفاءة التّشغيليّة والتّقنيات الحديثة والاستدامة، بما يشمل المشتريات وإدارة المورّدين والمخزون والمستودعات والنّقل والتّوزيع وإدارة المخاطر وسلاسل الإمداد الرّقميّة.
ويأتي برنامج تطوير الألعاب الرّقميّة استجابةً للنّموّ المتزايد في صناعة الألعاب والتّطبيقات التّفاعليّة والمحاكاة، حيث يجمع بين البرمجة والتّصميم والحوسبة والتّقنيات التّفاعليّة، ويتدرّج في مجالات تطوير البرمجيّات وتصميم الألعاب والذّكاء الاصطناعيّ والتّصميم ثلاثيّ الأبعاد والنّمذجة والتّحريك والواقعَين الافتراضيّ والمعزّز.
وفي مجال الطّاقة، يقدّم برنامج هندسة الطّاقة المتجدّدة والتّقنيات الخضراء تعليمًا يجمع بين الأساس الهندسيّ والتّطبيق العمليّ في أنظمة الطّاقة المتجدّدة وكفاءة الطّاقة والتّقنيات الخضراء، مع التّركيز على المختبرات والمشروعات والتّطبيقات المرتبطة بالطّاقة والمرافق والصّناعة.
كما يركّز برنامج هندسة النّظم الذّكيّة على الأنظمة التي تجمع بين الأجهزة والبرمجيّات والحسّاسات والاتّصال والتّحكّم والذّكاء الاصطناعيّ، ويجمع بين البرمجة والإلكترونيّات والأنظمة المدمجة والأتمتة وإنترنت الأشياء وتعلّم الآلة.
وفي قطاع الضّيافة والخدمات، يهدف برنامج البكالوريوس التّقنيّ في إدارة الضّيافة وخدمة العملاء إلى إعداد خرّيجين يمتلكون المعرفة الإداريّة والمهارات التّشغيليّة والمهنيّة اللّازمة للعمل في قطاع الضّيافة، مع التّركيز على تجربة العميل وإدارة الأغذية والمشروبات والإيواء والاستقبال والفعاليّات والتّسويق الرّقميّ وجودة الخدمة.
الجامعة وسوق العمل في شراكةٍ مستمرّة
ولا تنظر الكلّيّة التّقنيّة إلى سوق العمل باعتباره وجهةً نهائيّةً للطّالب بعد التّخرّج، وإنّما باعتباره شريكًا في العمليّة التّعليميّة؛ فوجود الطّالب في بيئة العمل لمدّة سنةٍ كاملةٍ يتيح بناء علاقةٍ مباشرةٍ بين الجامعة والمؤسّسات الاقتصاديّة والإنتاجيّة، ويساعد على تطوير البرامج بصورةٍ مستمرّةٍ وَفق المتغيّرات المهنيّة والتكنولوجيّة.
كما تتيح هذه الشّراكة للطّالب التّعرّف بصورةٍ مبكّرةٍ إلى طبيعة المهنة التي اختارها، واختبار قدرته على تطبيق ما تعلّمه، وبناء خبرةٍ عمليّةٍ يمكن أن تشكّل نقطةَ انطلاقه المهنيّة بعد التّخرّج.
رؤية جديدة للبكالوريوس التّقنيّ
وتَسعى الجامعةُ من خلالِ الكلّيّة التّقنيّة إلى ترسيخ نموذجٍ تعليميٍّ يجعل المهارة والخبرة والتّطبيق جزءًا أصيلًا من البكالوريوس الجامعيّ، إلى جانب المعرفة الأكاديميّة، ويعزّز التّعاون مع القطاعات الإنتاجيّة ومؤسّسات سوق العمل.
وتقوم رسالتها على توفير بيئةٍ تعليميّةٍ تطبيقيّةٍ محفِّزةٍ على الإبداع والابتكار والرّيادة، وتقديم برامج تقنيّةٍ قائمةٍ على الكفايات، وربط التّعليم باحتياجات القطاعات المختلفة، وإعداد كفاءاتٍ قادرةٍ على التّعامل مع التّحوّلات التّكنولوجيّة والمهنيّة المتسارعة.
وبذلك، تقدّم الكلّيّة التّقنيّة في الجامعة الأردنيّة مسارًا مختلفًا للتّعليم الجامعيّ: يبدأ بالمعرفة، ويتحوّل إلى مهارة، ثمّ إلى ممارسةٍ وخبرةٍ في سوق العمل، وينتهي بدرجة البكالوريوس التّقنيّ.
فالفكرة الأساسيّة ليست أن يتخرّج الطّالب حاملًا شهادةً جامعيّةً فقط، وإنّما أن يتخرّج وهو يمتلك شهادةً مهنيّةً، ومؤهّلًا تقنيًّا، ومعرفةً أكاديميّةً، وسنةً كاملةً من الخبرة في سوق العمل؛ وهي منظومةٌ متكاملةٌ تستهدف جعل الانتقال من الجامعة إلى الحياة المهنيّة أكثر ارتباطًا واستعدادًا لواقع العمل.