عوض و"مطعم الأشرار" (4)

نبض البلد -
​​​​ ​​​​ د. علي أحمد الرحامنة
​انقضت "ليلة الوليمة" التي قاد فيها عوض فريقه الذي فرزته إدارة المطعم في خدمة المدعوّين "بالغي الأهمية" ... وعاد عوض إلى عمله المعتاد مديرا لوحدة خدمة الزبائن. ولكن طلبات جديدة بدأت ترِد إلى إدارة المطعم لتنظيم ولائم أخرى للمجموعة نفسها، وأن يقود عوض فريق العمل، بعد الثناء الكبير والارتياح لأدائه وفريقه في الوليمة الأولى التي فتحت أمامه أبوابًا جديدة، ليس فقط في عمله ومكانته الوظيفية، بل وأيضا في اتساع شبكة علاقاته واهتماماته. صار يتابع أخبار البلد وأحوال الناس من منظور بدأ يتعمّق ويتّسع، ولكنه كان أيضًا يطرح على عوض أسئلة صعبة، ما كانت لتخطر على باله قبل "سلاسل الولائم" وترتيباتها، وما صار يعرفه عن "توزيع الغنائم" الجهوية، وأنماط العمل والترتيبات والاتصالات والخدمات المتبادَلة في خدمة مصالح "المجموعة" التي لا رابط فعليًّا بينها، سوى الجغرافيا واكتساب المزيد من النفوذ وتحقيق أقدار أكبر من المصالح، وتأمين "العيلة" جيلا بعد جيل!
​فوجئت شروق - (أم أمل)، زوجة عوض ورفيقة دربه، بالتغيّرات التي بدأت تظهر في سلوك عوض واهتماماته، حتى أنها كادت تضيق ذرعًا من كثرة ما يطرحه عليها من أسئلة ذات صبغة سياسية واجتماعية واقتصادية، وتمضيته ساعات في القراءة ومتابعة الأخبار، بدلًا من أن يأخذ قسطا من الراحة بعد كل يوم عمل طويل وشاقّ... ولكنها سعدت أيضا بهذا التحوّل... فعوض – (أبو أمل) صار الآن أقرب إليها، ليس كزوج حبيب وأب لابنتهما (أمل) فحسب، بل وأيضا، لأنه صار الحبيب الذي تهمّه أمور الناس، وخاصة الأضعف منهم، ... والحبيب الذي تسعد بالحوار معه في الشأن العام أيضا، وهي التي اختارت تخصّص العلوم السياسية لأنها نشأت في أسرة مثقفة ونشطة سياسيا، ...
​أحسّت شروق أن عوض، بحدسه، صار وكأنه يمتلك "حاسة سادسة أو سابعة" تجاه كل سلوك فساد من العيار الثقيل! وفسَّرت ذلك بقربه من تلك المجموعة صاحبة "الترتيبات" ... وفاجأها أحيانا بتفسيرات لأحداث وأخبار ومشروعات ثبت لها أنها صحيحة، ولو بعد حين. سألته شروق: (عجيب أمرك يا حبيبي يا عوض ... أصبحت كمن يستشعر عن بعد مآلات أشياء وأحداث مستقبلية، وهذا يحيّرني. كيف ذلك؟ وهل لديك "مصادر" تخفيها عنّي)؟! وضحِكت ضحكة فيها مزيج من الفخر والخوف على عوض وعلى أسرتها ... وأضافت: (ماذا يجري يا عوض؟ ماذا حصل لك؟ ما هذا التحوّل السريع عندك؟..).
​أجاب عوض وفي صوته تنهيدة وبحّة غير معتادة: (ما جرى يا شروق هو أنني، بعد كل ما عرفت وشاهدت وسمعت، تساءلت: هل نحن أمام دولة مؤسسات أم أمام شبكات اجتماعية وجغرافية ومصلحية تعيد توزيع الفرص خارج معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص؟!) ... وإن شئتِ، يمكننا أن نتحدث في كل هذا يوم عطلتي القادمة ...