نبض البلد - عماد عبدالقادر عمرو
ما إن يبدأ موسم الانتخابات حتى تبدأ معه، في أحيان كثيرة، معركة أخرى لا علاقة لها بالبرامج ولا بالأفكار؛ فتظهر الخلافات القديمة، وتستدعى الحسابات الشخصية، وتنتشر الروايات والشائعات، وقد تنتقل المنافسة من تقييم المرشح وأدائه العام إلى الخوض في حياته الخاصة وعلاقاته وسمعته.
وهنا يصبح السؤال أكبر من: من سننتخب؟
السؤال هو: كيف نختلف؟
الانتخابات حق، والترشح حق، والنقد والمساءلة حق أصيل للناس. ومن حق الناخب أن يسأل المرشح عن تجربته ومواقفه وإنجازاته، وأن يمنحه ثقته أو يحجبها عنه. لكن المنافسة السياسية تفقد معناها عندما يصبح الهدف إسقاط الإنسان بدلا من مناقشة أدائه، أو عندما تتحول الخصومة الشخصية إلى أداة في معركة يفترض أن يكون معيارها المصلحة العامة.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة تتجاوز الانتخابات وكل خلاف: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”. فالاختلاف لا يسقط العدل، والخصومة لا تمنح أحدا الحق في الظلم.
وكذلك تبقى الكلمة مسؤولية، خصوصا في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر في دقائق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”.
وهذا لا يعني أن نصمت عن الخطأ أو نعطل المساءلة؛ بل يعني أن تكون الكلمة في موضعها، وأن نفرق بين النقد الذي يصحح المسار والكلمة التي تهدم الإنسان، وبين كشف ما يتعلق بالشأن العام وبين اقتحام الخصوصية بلا حق.
والمرشح أيضا أمام مسؤولية لا تقل أهمية؛ فمن يطلب ثقة الناس عليه أن يراجع نفسه قبل أن يطلب أصواتهم، وأن يكون مستعدا لأن يخضع أداؤه ومواقفه وسجله العام للتقييم والمحاسبة. فالترشح ليس امتيازا، بل مسؤولية وقبول بأن يصبح العمل العام محل نظر المجتمع.
أما الناخب، فعليه ألا يجعل من وسائل التواصل الاجتماعي مرجعا للحقيقة دون تحقق، وألا يسمح لخلاف شخصي أو موقف عابر أن يصنع له موقفا انتخابيا. الحكم في النهاية يجب أن يكون على الكفاءة والسجل والموقف والقدرة على خدمة الناس، لا على الشائعة والانطباع والتحريض.
فالانتخابات يوم وتمضي، وتعلن النتائج وتنتهي الحملات، لكن المجتمع يبقى. تبقى الجيرة والقرابة والصداقة والزمالة، ويبقى الأردن أكبر من أي منافسة وأبقى من أي خلاف.
لذلك، فإن الانتخابات لا تختبر المرشحين وحدهم، بل تختبرنا جميعا: قدرتنا على الاختلاف دون إساءة، وعلى المنافسة دون خصومة، وعلى ممارسة حقنا الديمقراطي دون أن نفقد أخلاقنا.
لنحاسب من يستحق المحاسبة، ولننتقد ما يستحق النقد، ولنختلف كما نشاء، لكن لنجعل صندوق الاقتراع يحسم المنافسة، لا حملات التشويه.
فالأردن يستحق منا أن تكون الانتخابات مناسبة نرتقي فيها بالخطاب، ونحفظ فيها للإنسان كرامته، ونثبت أن اختلافنا يمكن أن يكون دليلا على نضج مجتمعنا، لا سببا لانقسامه.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً