نبض البلد - د. أيوب أبودية
تكشف السياسة النووية الأوروبية اليوم عن مفارقة تستحق التوقف عندها. فبعد عقود من الجدل الذي أعقب كارثتي تشرنوبل وفوكوشيما، لم تتخلَّ أوروبا عن الطاقة النووية، لكنها أيضا لم تعد إليها بوصفها خيارا أوروبيا موحدا. الحرب الروسية–الأوكرانية وأزمة الطاقة أعادتا فتح النقاش حول أمن الإمدادات، إلا أن هذا النقاش لا يعني أن القارة دخلت بالفعل عصرا نوويا جديدا. الأصح أن أوروبا دخلت مرحلة إعادة تقييم للطاقة النووية، أكثرهم يتجه إلى تمديد عمر المفاعلات القائمة، وبعضهم يدرس إنشاء مفاعلات جديدة، فيما تواصل دول أخرى التخلص منها.
وتظل ألمانيا المثال الأوضح على استمرار الخيار المناهض للنووي. فقد أغلقت آخر ثلاثة مفاعلات لديها نهائيًا في 15 نيسان 2023، حتى بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا وتراجع إمدادات الغاز الروسي. وقد اضطر الاقتصاد الألماني، في مواجهة أزمة الطاقة، إلى زيادة كفاءة الطاقة، وترشيد الاستهلاك، والاعتماد على الغاز المسال، وتسريع الاستثمار في الرياح والطاقة الشمسية والتخزين، مع العودة المؤقتة إلى بعض محطات الفحم. وهنا تظهر مفارقة مهمة: الخروج من الطاقة النووية لا يؤدي تلقائيا إلى الخروج السريع من الوقود الأحفوري.
لكن ألمانيا لا تمثل أوروبا كلها. ففي عام 2024 أنتجت 12 دولة في الاتحاد الأوروبي كهرباء نووية بلغت 649.5 تيراواط/ساعة، أي 23.3% من إجمالي إنتاج الكهرباء في الاتحاد. وكانت فرنسا وحدها تنتج 58.6% من الكهرباء النووية الأوروبية داخل الاتحاد، فيما شكل النووي 67.3% من كهرباء فرنسا. لذلك فإن ارتفاع الإنتاج النووي الأوروبي لا يعني بالضرورة عودة المفاعلات الجديدة؛ فجزء كبير منه نتيجة استمرار تشغيل الأسطول الفرنسي القائم.
بل إن الخريطة الأوروبية شديدة الانقسام. فبلجيكا، التي كانت تسير منذ سنوات في طريق التخلص التدريجي من النووي، تراجعت عن جزء من هذا المسار ومددت تشغيل مفاعلي Doel 4 وTihange 3 عشر سنوات، حتى 2035. وهذا يزيد من المخاطر. أما إيطاليا، التي أغلقت مفاعلاتها بعد استفتاء أعقب كارثة تشرنوبل، فقد خطت في أيلول/سبتمبر 2026 خطوة أكثر وضوحا؛ إذ أقر مجلس الشيوخ تشريعا يضع إطارا قانونيا لإعادة الطاقة النووية، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة. لكن ذلك لا يعني أن إيطاليا ستنتج الكهرباء النووية قريبا؛ فالتشريع يحتاج إلى مراسيم تنفيذية، ولا تزال مشروعات البناء المستقبلية تواجه مسائل تتعلق بالمواقع والسلامة والنفايات والكلفة.
وفي هولندا وسويسرا نجد اتجاهات مماثلة، ولكنها أيضا في معظمها خطط أو تغييرات تشريعية وليست مفاعلات جديدة تعمل بالفعل. وهذا يقتضي الحذر من الحديث عن «عودة أوروبية» شاملة إلى النووي. فالاتحاد الأوروبي نفسه يترك للدول الأعضاء حرية تحديد دور الطاقة النووية في مزيجها الكهربائي.
والأخطر في هذا النقاش هو أن الطاقة النووية ليست مجرد مصدر للكهرباء. إنها منظومة طويلة الأجل تبدأ باستخراج اليورانيوم وتخصيبه، وتمتد إلى بناء المفاعل وتشغيله ومخاطر كوارثه، ثم تفكيكه والتعامل مع الوقود المستهلك
والنفايات المشعة. والمشكلة الأخيرة ليست مسألة تقنية عابرة؛ فالنفايات عالية الإشعاع تحتاج إلى ترتيبات تخزين وعزل تمتد لفترات زمنية بالغة الطول، بما يفرض مسؤولية كبيرة وغير عادلة على أجيال المستقبل التي لم تشارك في اتخاذ قرار إنتاجها.
ثم هناك الخطر الذي لا يمكن تجاهله: الحوادث النووية الكبرى. فقد أثبتت تشرنوبل عام 1986 وفوكوشيما عام 2011 أن احتمال الحادث قد يكون منخفضا، لكن نتائجه المحتملة لا تتناسب مع انخفاض الاحتمال. فالخطر النووي يتميز بأن حادثا استثنائيا واحدا يمكن أن يترك آثارا بيئية واقتصادية واجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الدولة التي يقع فيها المفاعل، بل قد يدمر اقتصاد بلد صغير بالكامل، كحال سويسرا او بلغاريا او الامارات.
وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية في أوروبا بسبب كثافة السكان وترابط شبكات الكهرباء والحدود. فالحادث النووي ليس بالضرورة قضية محلية؛ فالملوثات المشعة لا تعترف بالحدود السياسية، وقد تؤثر إجراءات الإخلاء والقيود الغذائية واستخدام الأراضي والقلق العام في مناطق بعيدة عن موقع المفاعل.
أما حجة أمن الطاقة فتحتاج هي الأخرى إلى قدر من التدقيق. صحيح أن المفاعل النووي يمكنه إنتاج الكهرباء بصورة مستقرة لفترات طويلة، لكن إنشاء مفاعل جديد ليس حلا سريعا لأزمة طاقة. ويقدم مشروع Hinkley Point C البريطاني مثالا بالغ الدلالة. فقد بدأ البناء فعليا عام 2017، وليس مجرد مشروع على الورق، إلا أن موعد تشغيل الوحدة الأولى أصبح مستهدفًا لعام 2030، مع احتمال تأخره إلى 2031. كما ارتفعت تكلفة المشروع المقدرة من 15 إلى نحو 35 مليار جنيه إسترليني بأسعار 2015، أي ما يعادل نحو 48 مليار يورو بالقيمة الحالية وفق تقديرات EDF.
وهذه ليست مشكلة مالية فحسب. فكل سنة تأخير في مشروع نووي ضخم تعني سنوات إضافية قبل أن يقدم المفاعل الكهرباء التي كان يفترض أن يوفرها، بينما تستمر الدولة خلال تلك الفترة في الاعتماد على مصادر أخرى مكلفة. وقد سبق للمكتب الوطني للتدقيق البريطاني أن حذر من المخاطر والتكاليف المرتبطة باتفاق Hinkley Point C.
ولا يعني ذلك أن الطاقة النووية عديمة الفائدة أو أن أوروبا ستتخلى عنها. فواقع عام 2024 يثبت أنها ما تزال عنصرا أساسيا في كهرباء عدد من الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا. كما أن بعض الدول تمدد عمر المفاعلات القائمة. لكن الفرق كبير بين الحفاظ على أسطول قائم وبين الدخول في موجة واسعة لبناء مفاعلات جديدة.
ولهذا فإن السؤال الأوروبي الحقيقي لا ينبغي أن يكون: «هل نعود إلى النووي أم لا؟»، بل: هل تستحق المخاطر النووية طويلة الأمد إعادة توسيع الاعتماد عليها، خاصة عندما تتوافر بدائل تتطور بسرعة مثل الطاقة الشمسية والرياح والتخزين والشبكات الذكية ورفع كفاءة الطاقة؟
إن تشرنوبل وفوكوشيما ليستا مجرد فصلين في تاريخ التكنولوجيا النووية؛ إنهما تذكير بأن بعض المخاطر لا تقاس فقط باحتمال حدوثها، وإنما بحجم آثارها عندما تقع. ومن هنا فإن أي عودة أوروبية إلى بناء مفاعلات جديدة ينبغي ألا تُقاس فقط بكمية الكهرباء التي تنتجها أو بكمية ثاني أكسيد الكربون التي تتجنبها، وإنما أيضا بكلفة البناء، وطول فترة التنفيذ، وإدارة النفايات، وأمن المنشآت، ومسؤولية الأجيال المقبلة، والأهم: هل تستطيع أوروبا تحمل تبعات حادث نووي كبير آخر؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق قرار العودة، لا أن يأتي بعده. كما ينبغي ألا يستثمر الداعون للدخول في مغامرات نووية حرب أوكرانيا وانقطاع الغاز وأزمة مضيق هرمز كي يروجوا لمشاريعهم الفاشلة اقتصاديا وأمنيا في الدول النامية.