الدكتور عبدالله سرور الزعبي

حين يصبح الانتباه قوة جيوسياسية: ماذا قال الملك للعالم؟

نبض البلد -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
منذ أن بدأ الإنسان التفكير في السياسة، ظل السؤال التقليدي: من يملك القوة؟ لكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يفتح بابًا لسؤال أكثر تعقيدًا: من يملك القدرة على تحديد ما يستحق أن يظل حاضرًا في وعي العالم؟ ففي عصر فائض المعلومات، لم تعد المشكلة أن الحقيقة غائبة أو محجوبة؛ فهي تُبث بالصوت والصورة على مدار الساعة. المشكلة أنها تُغرق في بحر من الأحداث، حتى يصبح ما كان صادمًا بالأمس خبرًا عابرًا اليوم، ثم واقعًا مألوفًا غدًا. ليست المشكلة أن نعرف أقل، بل أن نلتفت أقل؛ وهذا الفارق الدقيق بين المعرفة والانتباه هو ما يعيد كتابة قواعد السياسة الدولية، وإن ظل غير مكتوب في أي ميثاق.
من هنا تأتي أهمية مفهوم "الانتباه" الذي احتل موقعًا لافتًا في خطاب الملك. فلم يعد مجرد حالة نفسية أو وظيفة إعلامية، بل أصبح موردًا جيوسياسيًا: القضية التي تحافظ على حضورها في وعي العالم تبقى قادرة على إنتاج ضغط سياسي وقانوني وأخلاقي، أما التي يغادرها الانتباه فتدخل منطقة أكثر خطورة، حيث تستمر الوقائع على الأرض بينما يتراجع الاهتمام بها في العواصم والمجتمعات ووسائل الإعلام. وهنا نستذكر ملاحظة عالم الاجتماع هربرت سايمون بأن وفرة المعلومات تستنزف المورد الذي نحتاجه لمعالجتها؛ غير أن الملك ذهب ابعد من ذلك بكثير، باعتبارها بعدًا جيوسياسيًا: فإذا كان الانتباه موردًا نادرًا، فإن القدرة على جذبه والمحافظة عليه وتوجيهه تصبح شكلًا من أشكال القوة. وبذلك لا يعود السؤال الدولي مقتصرًا على من يملك السلاح والمال والتحالفات، بل يمتد إلى من يستطيع إبقاء قضية ما في دائرة اهتمام العالم، ومن يستطيع أن يسمح لها بالتراجع حتى تصبح الوقائع الجديدة أمرًا اعتياديًا.
ولهذا لم يكن تركيز الخطاب على غزة والضفة الغربية مجرد مطالبة للعالم بأن يعرف ما يحدث، فالعالم يعرف والصور متاحة أمام الجميع؛ الرسالة الأعمق هي ضرورة ألا يتحول فائض المعرفة إلى عجز عن الفعل، وألا يسمح تتابع الأزمات بأن تتحول المأساة إلى روتين. فالأخطر ليس أن تقع المأساة، بل أن يعتاد العالم وقوعها.
وهنا تظهر إحدى أخطر القواعد التي يمكن استخلاصها من الخطاب: الزمن نفسه قد يصبح أداة من أدوات القوة. فما يبدأ بوصفه مؤقتًا قد يكتسب مع الوقت صفة الديمومة، وما يُقدَّم استثناءً قد يتحول إلى قاعدة، ثم يصبح الواقع الجديد نقطة البداية التي يتعامل معها العالم بدل أن يسأل كيف نشأت. ومن يملك القدرة على تغيير الواقع تدريجيًا، ثم انتظار العالم حتى يعتاد عليه، يحقق بالزمن ما قد لا يحققه بالقوة وحدها. لهذا فإن التحذير من تحويل "المؤقت إلى دائم" ليس تفصيلًا سياسيًا، بل دفاع عن مبدأ أساسي في القانون الدولي: أن مرور الزمن لا ينبغي أن يمنح الشرعية تلقائيًا لوقائع صنعتها القوة.
وهنا يصل الخطاب إلى أزمة أعمق في النظام الدولي؛ فالقانون لا يفقد قيمته حين يُخرق فقط، بل حين يصبح الخرق المتكرر عاجزًا عن إنتاج استجابة متناسبة معه. وعندما يصبح تطبيق القواعد انتقائيًا، تتآكل الثقة فيها، لأن كل طرف يتعلم أن المساءلة قد تتوقف لا عند حدود القانون، بل عند حدود اهتمام العالم. وهذا هو المعنى الأخطر لفكرة الإفلات من العقاب التي نبّه إليها الملك: فالنظام الدولي لا يقوم على وجود القواعد وحدها، بل على الاعتقاد بأنها قابلة للتطبيق. وإذا ارتبط احترام القانون بمدى بقاء قضية في دائرة الانتباه، فإنه يتحول تدريجيًا من مرجعية عامة إلى أداة انتقائية، وما يبدأ في ملف واحد لا يبقى بالضرورة في حدوده، لأن تآكل قاعدة في مكان يعلّم الآخرين أن القوة قادرة، مع الوقت، على صناعة الاستثناء ثم تطبيعه.
من هنا يمكن فهم رفض الخطاب اختزال القضية الفلسطينية في أزمة إنسانية عابرة؛ فهي في منظور الملك ليست مأساة تحتاج إلى إغاثة فحسب، بل اختبار لمصداقية النظام الدولي نفسه. وإذا استمر العالم في إدارة الصراع باعتباره أزمة تُحتوى بدل معالجة أسبابها، فإن التأجيل لا يلغي المشكلة بل يراكم شروط انفجار جديد، في منطقة تتشابك فيها فلسطين وسوريا ولبنان واليمن مع ملفات المياه والطاقة واللاجئين والتجارة والأمن. فالشرق الأوسط ليس مجموعة أزمات منفصلة؛ جغرافيته تجعل الأزمة قابلة للانتقال، ولم تعد حروبه شأنًا إقليميًا خالصًا بل أحداثًا قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والأمن العالميين.
وفي هذا السياق يحتل حديث الملك عن القدس موقعًا جديداً يضاف الى بعدها الديني والتاريخي، فالمدينة تقع في قلب توازن إقليمي بالغ الحساسية، وأي مساس بمقدساتها يمكن أن يحولها من قضية سياسية إلى نقطة اشتعال تتجاوز حدودها؛ لذلك فإن الدفاع عن وضعها القانوني ليس بالنسبة إلى الأردن مسألة رمزية فقط، بل جزء من رؤية أوسع للاستقرار الإقليمي. ومن الزاوية نفسها يمكن فهم موقف الأردن من التطورات في سوريا، إذ لم يتعامل الخطاب مع المشهد الإقليمي بوصفه ساحات منفصلة، بل مع ما يمكن أن تتركه التحولات المحيطة بالأردن من وقائع جديدة على أمنه ومصالحه؛ والتحذير من الأطماع التوسعية في سوريا يعني أن تغيير موازين القوة في البيئة الشمالية للأردن لا يمكن فصله عن حساباته الوطنية. فالأردن يريد السلام ويتمسك به، لكنه لا يقبل أن يتحول إلى صيغة تُعاد فيها هندسة المنطقة على حساب أمنه أو موارده أو حقوقه؛ وفي إقليم تتغير خرائطه بالقوة، تصبح حماية المصالح الوطنية شرطًا للمشاركة في صناعة المستقبل، لا مجرد رد فعل على أحداثه.
وهنا يظهر الأردن في موقع خاص؛ فالجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ، ومحدودية الموارد لا تعني بالضرورة محدودية التأثير. فقد بنى الأردن جزءًا من وزنه الإقليمي على الاستقرار والوساطة والقدرة على مخاطبة أطراف متعددة والتمسك بمواقف ثابتة عبر الزمن، وهنا يظهر مفهوم اردني جديد"القوة المستمدة من الثقة": دولة قد لا تمتلك فائض القوة الخشنة، لكنها تمتلك وزنًا سياسيًا يتجاوز حدود الاقليم. ويقود هذا إلى تحول أوسع في مفهوم القوة الدولية؛ فبعد أن ارتبطت طويلًا بالجيوش والاقتصاد والتحالفات، ثم جاء مفهوم "القوة الناعمة" الذي أضافه جوزيف ناي ليشمل الجاذبية والقيم والإقناع، يكشف عالم اليوم عن مورد آخر حدده الملك: القدرة على جذب الانتباه والمحافظة عليه. وفي هذا يتصل ما طرحه الملك بتحول عميق في طبيعة القوة نفسها، وهو تحذير مبكر يعكس أهمية قراءة التحولات قبل أن تصبح وقائع مكتملة، تمامًا كما كان تحذيره قبل أكثر من عقدين من مخاطر ما عُرف بـ"الهلال الإيراني".
 
لكن الخطاب لا يضع القوة العسكرية في مواجهة المبادئ فحسب، بل يعيد تعريف معنى الأمن؛ فالسلاح يستطيع أن يفرض واقعًا، لكنه لا يستطيع أن يمنحه الشرعية أو يبني الثقة التي تجعله مستدامًا. فالأمن المستدام يحتاج إلى العدالة والتنمية والكرامة والمؤسسات والثقة، وهي عناصر لا تنتجها الترسانة العسكرية. وفي عالم تتحكم فيه الخوارزميات والمنصات الرقمية، يصبح السؤال "إلى ماذا ننتبه؟" سؤالًا سياسيًا بامتياز، فالدول والمجتمعات لا تتحرك استجابة لما يحدث فقط، بل لما تختار أن تضعه في مقدمة أولوياتها؛ ومن هنا تصبح الذاكرة السياسية جزءًا من القوة، ويصبح إبقاء القضية حاضرة في الوعي الدولي فعلًا سياسيًا لا يقل أهمية عن حضورها في ساحات التفاوض.
وهذا الدرس الاردني يحمل رسائلاً للكثير من الدول أيضًا: فالدولة التي لا تملك وفرة الموارد التقليدية تستطيع أن تبني قيمة استراتيجية من موقعها واستقرارها وقدرتها على الربط بين الجغرافيا والملفات. وفي عالم تتحول فيه الدول من مساحات إلى عقد يربط المصالح والتدفقات، يستطيع الأردن أن يحول موقعه إلى عقدة شبكية في المياه والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والهيدروجين واللوجستيات والاقتصاد الرقمي، وأن ينتقل من إدارة الأزمات التي تصله عبر الحدود، إلى المشاركة في صياغة البيئة التي تنتجها؛ فالحضور على الخريطة لم يعد كافيًا، والمطلوب أن تكون الدولة حاضرة في المعادلة، وأن يتحول الاستقرار من وضع يُحافظ عليه إلى قيمة يُبنى عليها، ومحدودية الموارد من قيد إلى حافز للابتكار.
وما يصح في السياسة يصح، بصورة أخرى، في ميادين بعيدة عنها: ففي أسواق المال يكفي أن تنسحب الأنظار عن سهم دقيقة كي ينهار سعره، لا لأن قيمته تبدلت بل لأن الانتباه غادره إلى غيره؛ وفي الشارع يتجمع الناس حول حادث سير ثم ينفضّون، لا لأن أثره زال بل لأن فضول اللحظة استُهلك. ميدانان مختلفان يخضعان لقانون واحد: أن قيمة الشيء في الوعي الجمعي لا تُقاس دائمًا بحقيقته، بل بمدى استمرار الأنظار عليه. وهذا ما يجعل خطاب الملك مختلفًا عن أي خطاب سياسي معتاد: فهو لا يطالب العالم بأن "يعرف" ما يجري في غزة والضفة، فالمعرفة متوفرة وموثقة، بل يطالبه بأن "ينتبه" لما يعرفه أصلًا، وألا يسمح لضجيج الأحداث المتلاحقة أن يحوّل الفظاعة إلى مألوف والاستثناء إلى قاعدة.
فالسؤال الذي يتركه الخطاب ليس هل يعرف العالم ما يحدث، فهو يعرف، وليس هل شاهد المأساة، فقد شاهدها؛ السؤال الأصعب هو: هل يملك الإرادة ليظل منتبهًا بما يكفي حتى لا يتحول ما يرفضه اليوم إلى واقع يتعامل معه غدًا؟ فالمعركة الحقيقية هنا أعمق من الحرب وأطول منها، إنها معركة على الزمن والذاكرة والقانون والانتباه.
ولهذا يكمن جوهر الرسالة الملكية في أن العالم لا يعاني نقصًا في المعرفة بقدر ما يعاني نقصًا في الانتباه، ولا نقصًا في القوانين بقدر ما يعاني أزمة في تطبيقها، ولا نقصًا في القوة بقدر ما يعاني أزمة في توجيهها. فالتاريخ لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه أيضًا قدرة البشر على ألا يمنحوا الزمن سلطة تشريع ما صنعته القوة، وألا يدعوا الضجيج يدفن الحقيقة، ولا النسيان يتحول إلى شريك في صناعة الواقع. فأخطر ما في هذا القرن ليس أن العالم لا يرى، بل أنه يرى كل شيء ثم يمضي سريعًا إلى غيره؛ وحين يصبح النسيان أسرع من قدرة السياسة على التصحيح، يتحول ما نغض الطرف عنه اليوم إلى واقع ندافع عنه غدًا بوصفه أمرًا قائمًا. وهنا يظهر عمق الرسالة: ليس المطلوب من العالم أن يرى أكثر، فقد رأى بما يكفي، بل أن يظل يرى، وأن يحول ما يراه إلى مسؤولية وفعل، قبل أن يتكفل الزمن بتحويل المأساة إلى واقع، والواقع إلى مألوف، والمألوف إلى تاريخ لا يملك أحد تغييره.