اللواء المتقاعد محمد بني فارس

خطاب الملك أمام الأمم المتحدة… حين تستعيد الكلمة شجاعتها ويستعيد العالم بوصلته

نبض البلد -
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدﷲ الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد كلمة سياسية تُلقى في محفل دولي ثم تُطوى بين وثائق الاجتماعات، بل كان خطابًا استثنائيًا في فكرته وبنائه ووضوحه؛ خطاب قائدٍ يعرف أين يقف الأردن، ويدرك حجم الأخطار المحدقة بالمنطقة، ويتحدث بضمير الإنسان حين تصمت المصالح وتتوارى العدالة خلف ازدواجية المعايير.

لقد اختار جلالته "الانتباه” مدخلًا ذكيًا وعميقًا لفهم أزمات عالمنا؛ فالانتباه في هذا العصر لم يعد شأنًا فرديًا عابرًا، بل أصبح موردًا جيوسياسيًا يحدد أي القضايا تبقى حاضرة في الضمير العالمي، وأي المآسي تُترك على الهامش حتى يعتاد الناس مشاهدها. ومن هنا جاءت العبارة الملكية البليغة: "ما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا”، لتختصر مأساة عالمٍ لا تنقصه المعرفة، وإنما تنقصه الإرادة والاستمرارية في مواجهة الظلم.

ولم يغفل جلالته الإشارة إلى حرب إيران، التي كشفت أن اضطراب المنطقة لا يبقى حبيس حدودها، بل تمتد آثاره سريعًا إلى حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس في مختلف أنحاء العالم.

وفي حديثه عن فلسطين، لم يلجأ جلالة الملك إلى لغة دبلوماسية باهتة، ولم يسمح للمصطلحات المخففة بأن تحجب فداحة ما يجري، بل وضع الوقائع أمام العالم بأسمائها الحقيقية. فالتهجير القسري ليس إجراءً أمنيًا، والاستيلاء على الأرض ليس تسجيلًا لها، وهدم المنازل ليس تطبيقًا للقانون، كما أن الاعتداءات الممنهجة على الفلسطينيين ليست أحداثًا فردية منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن سياسة تستهدف اقتلاع شعبٍ من أرضه وإجهاض حقه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة.

وكانت غزة حاضرة في الخطاب بوصفها جرحًا إنسانيًا مفتوحًا، لا خبرًا عابرًا ينتهي بانصراف عدسات الكاميرات. وكان أطفالها وشهداؤها ومستشفياتها المدمرة شاهدًا على عالمٍ يملك أدوات الضغط، لكنه يتردد في استخدامها حين يتعلق الأمر بإسرائيل. وبشجاعة القائد الواثق من عدالة موقفه، وضع جلالته المجتمع الدولي أمام مسؤوليته حين أكد أن التقاعس السياسي ليس ناتجًا عن غياب الخيارات، بل هو خيار في ذاته، وأن القرارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تبقى حبرًا على ورق، وتمنح المعتدي مزيدًا من الشعور بالإفلات من العقاب.

ولم يفصل الخطاب بين ما يجري في غزة وما يحدث في الضفة الغربية، بل كشف وحدة الاستراتيجية التي تعمل على تدمير مقومات الحياة في القطاع، وفرض الضم الفعلي في الضفة، وصولًا إلى جعل قيام الدولة الفلسطينية أمرًا مستحيلًا. كما بدد جلالته الادعاء بأن العرب لم يقدموا طريقًا للسلام، مستحضرًا مبادرة السلام العربية التي بقيت مطروحة لأكثر من عقدين، ومؤكدًا أن المعضلة لم تكن يومًا في غياب الشريك العربي، بل في غياب حكومة إسرائيلية مستعدة لقبول سلام عادل وحقيقي.

ومن أكثر محطات الخطاب قوةً ووضوحًا ذلك التحذير من أن الأطماع الإسرائيلية لن تتوقف عند حدود فلسطين، وأن ما يجري في جنوب سوريا يمثل خطرًا إقليميًا لا يجوز تجاهله. وحين أعلن جلالة الملك أن أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو أمنه المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، كان يتحدث بلغة الدولة الواثقة التي تؤمن بالدبلوماسية والسلام، لكنها لا تسمح لأحد بأن يسيء فهم حكمتها أو يفسر اعتدالها ضعفًا. فالأردن لا يعتدي، لكنه يعرف كيف يصون حدوده ومياهه ومصالح شعبه.

وفي مقابل صورة الفوضى التي تحيط بالمنطقة، قدم جلالته صورة الأردن كما نعرفه ونفخر به: دولة ثابتة المبادئ، موثوقة الموقف، منفتحة على الحوار، وقادرة على العمل وسط الأزمات دون أن تتخلى عن رسالتها. أردنٌ يعزز مكانته مركزًا للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، ويواجه الإرهاب وتهريب المخدرات، ويحمي المسيحية في موطنها التاريخي، ويدافع عن الصورة الحقيقية للإسلام، ويتمسك بدعم الشعب الفلسطيني والأونروا، ويحمل بأمانة وشرف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

إن قيمة هذا الخطاب لا تكمن في قوة عباراته فحسب، بل في وحدة ميزانه الأخلاقي؛ فجلالته لم يحصر حديثه في مأساة واحدة، بل أكد أن المبادئ لا يجوز أن تتبدل باختلاف ساحات الصراع أو بتغير اهتمام العالم، سواء أكان الألم في غزة أم السودان أم أوكرانيا أم في أي بقعة يعيش أهلها الحرب والتهجير والخوف. فالعدالة التي تُجزّأ تفقد معناها، والقانون الذي يُطبق على طرف ويُعطل أمام طرف آخر يفقد هيبته وقيمته.

لقد تحدث جلالة الملك بلسان الأردن، لكنه خاطب في الوقت ذاته ضمير العالم. تحدث بحكمة السياسي، وصلابة القائد، ونبل الإنسان الذي لا يرى في الضحايا أرقامًا، بل أرواحًا وحقوقًا ومستقبلًا يستحق الحماية. وكان خطابه رسالة واضحة بأن القوة العسكرية لا تصنع سلامًا حقيقيًا؛ فهي لا تطعم جائعًا، ولا تعيد مهجرًا، ولا تبني ثقةً بين الشعوب. فالسلام يحتاج إلى عدالة، وإلى مؤسسات ذات شرعية، وإلى قانون لا يخضع للانتقائية وحسابات المصالح.

إننا نفخر بجلالة الملك عبدﷲ الثاني وهو يقف على منبر الأمم المتحدة حاملًا صوت الأردن ومواقفه النبيلة، مدافعًا عن فلسطين، ومحذرًا من أخطار التوسع والعدوان، ومعلنًا أن أمن الأردن ومياهه وحدوده ليست موضع مساومة. ونفخر بهذا الخطاب الذي جمع بين الرؤية السياسية العميقة والوضوح الأخلاقي والشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها.

ذلك هو الأردن بقيادته الهاشمية: لا يرفع صوته بحثًا عن صخبٍ عابر، بل يقول كلمته حين تكون الكلمة موقفًا، ويثبت على مبادئه حين تتبدل المواقف، ويحمل رسالة السلام دون أن يتنازل عن حق أو كرامة. وسيبقى، كما وصفه جلالة الملك، بلدًا يمكن للعالم الاعتماد عليه؛ وفيًّا لمبادئه، ثابتًا في مواقفه، قويًا بحكمة قيادته، عزيزًا بشعبه، وحاضرًا حيث ينبغي أن يكون الحق حاضرًا.

حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا، وحفظ جلالة الملك عبدﷲ الثاني، وسدّد على طريق الحق والخير خطاه، وأدامه صوتًا للعدل والسلام.

اللواء المتقاعد محمد بني فارس