مهند شحادة.. حين يأتي النجاح من خارج الصالونات

نبض البلد -
عمر كلاب
لم تفاجئني الرسالة التي تناولتها وسائل إعلام محترفة، عن رأي رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في نائبه مهند شحادة. وأظن أن الزملاء في «جفرا» كانوا من أوائل من دفعوا بها، أو بما تحمله من رأي، إلى الفضاء العام.

لم تفاجئني، لأنني أعرف، ولو بالقدر الذي يسمح بالمتابعة، مهارة مهند شحادة في الحركة داخل دوائر صنع القرار. فهو محترف في الحركة المنضبطة على إيقاعات الرؤى الملكية، وفي المنطقة الحساسة بين هذه الرؤى وتعليمات رئيس الوزراء، الذي تربطه به علاقة متينة، بحكم الزمالة في المقر السامي، وبحكم العمل المشترك في مسار التحديث الاقتصادي المنبثق عن رؤى التحديث الشامل.

لكن حضور شحادة في القاطع الاقتصادي الرسمي لم يأتِ، كما قد يحاول البعض تفسيره، من معادلات التركيبة الحديثة الطارئة على مجتمع النخب؛ لا من النسب والمصاهرة، ولا من المطبخ المغلق للقرار، ولا من صالونات العلاقات.

لقد انتزع موقعه بالعمل.

هو ابن معسكرات الجيش في الزرقاء، وحتى لو تناول المنسف بالملعقة لا بيده، فإن سيرته ومسيرته ظلتا محفوفتين بالخطر؛ خطر مجتمع أتقن، في بعض مراحله، لعبة الترقي على قواعد غير مهنية، ويزعجه أحيانًا أن يأتي الحضور من بوابة العمل، وأن يكون الصعود عبر دروب الإنجاز.

وشحادة لم يقارب الصالونات ونوادي النخبة لأنه يجهلها، بل ربما لأنه يعرفها جيدًا، ويعرف شروطها واشتراطاتها. وأهم ما يميزه أنه لا يبدو مستعدًا لتسليك المغلق بالموانع القانونية، أو التعامل مع الاستثناء باعتباره قاعدة.

هو يتقن روح القانون، لكنه لا يحب التجاوز.

هل يحتاج الحديث عن مهند شحادة إلى كل هذه المقدمة؟

نعم.

يحتاج إليها بعد محاولات نهش روحه وعمله، ليس على أسس مهنية، ولا من خلال نقد منهجي للقرار، أو حتى من موقع مدرسة اقتصادية مخالفة لمدرسته.

من الطبيعي أن ينتقد يساري مدرسة اقتصادية أقرب إلى اقتصاد السوق، أو أن يعارض صاحب رؤية اقتصادية اجتماعية مقاربة رأسمالية، فهذا جزء من الاختلاف العام والصحي.

لكن ما ليس مفهومًا هو أن يتحول النقد إلى نهش شخصي، أو أن تصبح بعض الهجمات جزءًا من حسابات شخصية، خصوصًا عندما تبدأ اليد بالاقتراب من ملفات ظلت طويلًا في منطقة الصمت.

ولم يكن شحادة ليدخل هذا الحقل المليء بالألغام لولا دعم رئيس الحكومة.

وربما هنا تكمن إحدى أهم زوايا الحكاية.

فجعفر حسان يتشاطر مع مهند شحادة فلسفة «روح القانون»، وفلسفة الترقي بعيدًا عن صالونات النميمة، وعلاقات المصاهرة والمطبخ المغلق. وقد أجازف بالقول إن مهند شحادة هو، في جانب من تكوينه المهني، خريج مدرسة رئيس وزرائه.

لذلك لم أفغر فمي دهشة من الهجمة عليه، بل أظن أنها تأخرت قليلًا.

فالنجاح، في بعض البيئات، أكثر استفزازًا من الفشل.

والدلالة الرقمية التي حققها الاقتصاد الأردني، رغم أنها لم تنعكس حتى اللحظة بالقدر الكافي على اليومي والمعاشي للأردنيين، تظل لافتة. وهي تزعج، بطبيعة الحال، أولئك الذين احترفوا تكسير الناجح، ثم مطالبته بتبرير نجاحه.

وهذه مفارقة أردنية مؤلمة:

نحن نطلب من الناجح أن يبرر نجاحه، بينما يفترض أن نطلب من الفاشل أن يفسر فشله.

الأثر الاقتصادي لا يظهر بين ليلة وضحاها. وسنوات طويلة من الإنهاك الموضوعي للاقتصاد الأردني لا يمكن أن تختفي نتائجها فجأة بمجرد تحسن بعض المؤشرات. التعافي الاقتصادي مسار طويل، كما أن انعكاسه على حياة الناس يحتاج إلى وقت وسياسات واستقرار وتراكم.

وهذا لا يعني أن مقاربات الحكومة كلها كاملة الصواب، أو أنها لا تحتمل النقد والمراجعة. ربما هناك ما هو أصوب، وربما توجد سياسات كان يمكن أن تكون أكثر كفاءة أو عدالة.

لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن المقاربة، حتى الآن، لم تبدُ منحازة إلى قطاع أو فئة بعينها، ولم تسعَ إلى مجاملة أحد على حساب آخر، ولم تصمت، كما أرى، عن وجع أو تتجاوز على ثابت وطني أو إنساني.

مهند شحادة اليوم رئيس للفريق الاقتصادي.

وربما تكون هذه، في دلالتها الرمزية، واحدة من المرات القليلة التي يتقدم فيها إلى واجهة الفريق الاقتصادي واحد من أبناء العرق والتعب، أو للدقة، واحد من أبناء الطبقة الوسطى.

ولربما غامر جعفر حسان في اختياره.

لكنها كانت، على الأرجح، مغامرة محسوبة.

فهو يريد لرئيس الفريق الاقتصادي أن يمتلك المعرفة النظرية، وأن يكون قادرًا على ممارسة هذه المعرفة، والأهم أن يكون مدركًا لما يجري في حواري الحارات ودكاكين الأحياء، من شرق السكة إلى كل الأمكنة التي لا تصل إليها تقارير المكاتب بسهولة.

وهنا تحديدًا تكمن قوة شحادة.

كان صعبًا على أحد أن يتجرأ عليه بالمعرفة بأوجاع الناس، لأنه يعرف جانبًا من تلك الأوجاع قبل أن تصبح أرقامًا في تقرير.

وكان صعبًا على أحد أن يمسكه من يد تؤلمه، لأنه، ببساطة، لا يبدو أن لديه وجعًا سياسيًا أو شخصيًا يمكن ابتزازه به.

وليس لديه، كما يبدو، كثيرون يدين لهم بالفضل.

إلا عمله.