جو حطاب… عندما تصبح الصورة قوة ناعمة للأردن

نبض البلد -
عماد عبدالقادر عمرو

ماذا لو وضعنا الأردن أمام عدسة تعرف كيف ترى الأشياء بطريقة مختلفة؟

السؤال ليس عن تصوير البتراء أو وادي رم أو البحر الميت، فهذه الأماكن لا تحتاج إلى من يثبت للعالم أنها جميلة. السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع أن نعطي صانع صورة أردني وصل إلى العالم فرصة ليكتشف وطنه من جديد، ثم يأخذ ما يراه إلى الملايين الذين يتابعونه؟

من موقع المتابع والمهتم بالإعلام المرئي والمسموع، أرى أن وجود جو حطاب في الأردن يمثل فرصة إعلامية وسياحية لا ينبغي التعامل معها كزيارة عابرة أو مناسبة للتصوير التقليدي. نحن أمام تجربة إعلامية أردنية صنعت حضوراً عالمياً، وأمام شخص يعرف كيف يحول المكان إلى قصة، والقصة إلى صورة، والصورة إلى محتوى قادر على عبور الحدود.

وهنا تحديداً يجب أن نكون أذكى في طريقة التعامل معه.

لا نحتاج أن نعطي جو حطاب نصاً جاهزاً، ولا قائمة تعليمات طويلة، ولا أن نطلب منه أن يعيد إنتاج ما تقوله الحملات السياحية منذ سنوات. نحتاج إلى أن نعطيه الأردن ومساحة الإبداع.

أن نترك له حرية اختيار المكان والقصة والزواية والأسلوب والإخراج، لأن قيمة تجربته أصلاً جاءت من قدرته على اكتشاف التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها الآخرون.

قد يرى في العقبة قصة لا نراها نحن، وقد يقدم وادي رم من زاوية جديدة، وقد يذهب إلى قرية أردنية لا يعرفها كثيرون، أو يجلس مع إنسان أردني لديه حكاية تستحق أن تصل إلى العالم.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

من الخطأ أن ننظر إلى جو حطاب باعتباره مؤثراً نحتاج إلى الاستفادة من عدد متابعيه فقط. الأرقام مهمة، لكنها ليست القيمة الوحيدة. القيمة الأكبر في قدرته على صناعة تجربة بصرية تجعل المشاهد يعيش المكان قبل أن يقرر زيارته.

وهذا تحديداً ما تحتاجه السياحة الأردنية اليوم.

نحن لا نحتاج إلى فيديو آخر يقول إن الأردن بلد جميل. نحتاج إلى محتوى يجعل المشاهد يشعر بأنه موجود في المكان، يسمع صوته، يرى تفاصيله، يلتقي أهله، ويكتشف ما وراء الصورة المعروفة.

فالسائح المعاصر لا يبحث فقط عن معلومة سياحية؛ هو يبحث عن تجربة، والقصة الجيدة قادرة على تحويل الفضول إلى رغبة، والرغبة إلى قرار سفر.

ومن هنا يمكن أن يصبح جو حطاب جزءاً من مشروع أوسع لربط تجربته الإعلامية العالمية بوطنه الأردن.

ليس المطلوب أن يكون مجرد ضيف في فعالية أو أن يصور عدداً من المواقع ثم يغادر، وإنما أن تكون هناك مساحة حقيقية للتعاون معه، بحيث يستطيع أن يقدم الأردن بطريقته هو، وباللغة البصرية التي يعرفها جمهوره ويثق بها.

والأردن لديه ما يكفي من القصص لصناعة هذا المحتوى.

لدينا البتراء، ولكن لدينا أيضاً تفاصيل الإنسان الذي يعيش حولها. لدينا وادي رم، ولكن لدينا حكايات البدو والرحالة والمغامرين. لدينا العقبة، ولكن لدينا البحر الأحمر والحياة البحرية والغوص والرياضات المائية. لدينا جرش وأم قيس ومادبا والكرك وعجلون وضانا والمغطس، ولدينا قرى ومناطق ووجوه أردنية يمكن أن تقدم للعالم صورة مختلفة عن الأردن الذي يعرفه من الصور التقليدية.

وهنا أرى أهمية أن نترك لجو حطاب حرية اكتشاف هذه الأماكن واختيار ما يراه جديراً بالتصوير.

الإبداع لا يعمل تحت الوصاية.

وإذا أردنا نتيجة استثنائية، فعلينا أن نثق بصاحب التجربة وأن نمنحه المساحة التي يحتاجها لصناعة عمل يحمل بصمته، لا بصمة الحملة الرسمية.

لكن الاستفادة من وجود جو حطاب في الأردن يجب ألا تتوقف عند الكاميرا.

هناك جانب معرفي وإعلامي مهم يمكن أن نكسب منه كثيراً، خصوصاً لدى الشباب الأردني.

لماذا لا نستضيفه في محاضرة أو ندوة مفتوحة يتحدث فيها عن تجربته العالمية في صناعة المحتوى المرئي، وعن انتقاله من فكرة السفر والتصوير إلى بناء جمهور عالمي، وعن صناعة القصة واختيار الموضوع والمكان، وأسرار التعامل مع الكاميرا والمونتاج والسرد البصري، وكيف يمكن لصانع المحتوى العربي أن يخاطب العالم دون أن يفقد هويته؟

هذه الندوة يمكن أن تكون حدثاً إعلامياً بحد ذاتها، وليس مجرد فعالية بروتوكولية.

يشارك فيها طلبة الإعلام وصناع المحتوى الشباب والإعلاميون والمهتمون بالسياحة والاتصال الرقمي، وتغطى إعلامياً بشكل واسع، وتُنتج منها مواد قصيرة ومقاطع حوارية يمكن أن تستمر في التداول على المنصات الرقمية بعد انتهاء اللقاء.

وبذلك لا نكون قد استفدنا من شهرته فقط، بل استفدنا من خبرته.

وهناك خطوة أخرى أراها ضرورية، وهي تكريم جو حطاب تكريماً وطنياً يليق بتجربته.

التكريم هنا ليس مجاملة لشخصية مشهورة، وإنما رسالة تقدير لتجربة أردنية استطاعت أن تصل إلى جمهور عالمي من خلال الإعلام المرئي وصناعة المحتوى.

لكن حتى التكريم يجب أن نفكر فيه بعقلية إعلامية حديثة.

لا يكفي أن نقيم حفلاً، ونقدم درعاً، ونلتقط صورة رسمية.

يجب أن يكون التكريم نفسه قصة إعلامية جميلة، وأن يصل إلى جمهور جو حطاب عبر صفحاته ومنصاته، حتى تتحول لحظة التكريم من مناسبة محلية إلى رسالة تصل إلى العالم.

وهنا تحديداً يمكن أن تتحول الشهرة إلى قوة ناعمة للأردن.

نحن لا نريد فقط أن يتحدث الإعلام الأردني عن جو حطاب، بل نريد أن يتحدث جو حطاب عن الأردن أمام جمهوره العالمي.

هذه هي المعادلة الأهم.

أن تتحول زيارته إلى محتوى، والندوة إلى محتوى، والتكريم إلى محتوى، والرحلة داخل الأردن إلى محتوى، واللقاءات مع الشباب والأردنيين إلى محتوى.

وأن تتراكم هذه المواد لتشكل مكتبة بصرية حديثة عن الأردن، يمكن إعادة استخدامها في الترويج السياحي والإعلامي لسنوات.

ومن المهم هنا ألا نقيس نجاح الفكرة بعدد المشاهدات فقط.

المشاهدات مؤشر، لكنها ليست النتيجة النهائية.

النتيجة الحقيقية هي أن يبحث شخص في أوروبا أو آسيا أو الخليج عن الأردن بعد مشاهدة أحد أفلام جو، ثم يبدأ في التخطيط لرحلته، ويختار الأردن وجهة سياحية، ويكتشف أن البلد الذي شاهده في الفيديو أكبر بكثير من الصورة التي كان يعرفها عنه.

عندها فقط نكون قد انتقلنا من الترويج إلى التأثير.

وهذا ما يجب أن نبحث عنه في الإعلام السياحي الحديث.

الأردن لا يعاني من نقص في المقومات السياحية، بل يمتلك تنوعاً يصعب اختزاله في ثلاث أو أربع صور. التحدي هو في طريقة تقديم هذا التنوع إلى العالم، وفي القدرة على الوصول إلى الأجيال التي لم تعد تتلقى قرارها السياحي من الإعلان التقليدي وحده.

هنا تأتي أهمية جو حطاب.

هو لا يحتاج إلى أن يكون موظفاً في حملة سياحية، ولا إلى أن يتحدث بلغة البيانات الرسمية.

يكفي أن يكون جو حطاب.

نمنحه الثقة، ونفتح أمامه الأبواب، ونضع أمامه الإمكانات، ونترك له الكاميرا.

هو يملك العين التي تستطيع أن ترى.

ونحن نملك المكان.

والمكان في الأردن مليء بالقصص.

إذا أحسنا استثمار هذه الفرصة، فقد لا نكون أمام مجرد فيلم سياحي جديد، وإنما أمام نموذج مختلف لكيف يمكن للإعلام الأردني أن يستثمر أبناءه الذين وصلوا إلى العالمية، وأن يحول نجاحهم الشخصي إلى قيمة مضافة لصورة وطنهم.

وفي النهاية، ربما لا نحتاج أن نقول لجو حطاب: صوّر الأردن لنا.

الأفضل أن نقول له:

خذ الكاميرا… واكتشف الأردن بطريقتك.

فربما تكون الصورة التي يلتقطها بعينه، ويحكي قصتها بطريقته، هي الصورة التي تجعل شخصاً في مكان بعيد من العالم يقرر للمرة الأولى أن يجعل الأردن وجهته القادمة.

وهذا هو الاستثمار الحقيقي في الإعلام.

أن نترك للمبدع مساحة ليصنع الصورة، ثم نمنح الصورة فرصة لأن تصل إلى العالم.