‏السويداء تراجع مشاريع الانفصال وتقدم خيار الاندماج في الدولة السورية

نبض البلد -
نعمت الخورة
‏تدخل أزمة السويداء مرحلة سياسية أكثر حساسية وحسماً بعد أشهر من التصعيد الأمني وارتفاع سقف الطروحات المتعلقة بالإدارة الذاتية والانفصال، في وقت تتقاطع فيه المواقف السورية والأردنية والأميركية بصورة واضحة حول مبدأ أساسي يتمثل في أن السويداء جزء من سوريا، وأن معالجة أزمتها يجب أن تتم ضمن وحدة وسيادة الدولة السورية وليس من خلال إنشاء كيان منفصل عنها. ويستند المسار السياسي المطروح إلى خريطة الطريق الثلاثية التي عملت عليها سوريا والأردن والولايات المتحدة، والتي تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، ومعالجة ملف المحتجزين والمختطفين والمفقودين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتأمين عودة النازحين وفتح الطرق وإعادة الخدمات والمؤسسات، بالتوازي مع ترتيبات أمنية وإدارية انتقالية تسمح لأبناء المحافظة بدور محلي أوسع ضمن مؤسسات الدولة، وصولاً إلى إعادة دمج السويداء بصورة كاملة في النسيج الوطني السوري، وليس تحويل المرحلة الانتقالية إلى مدخل لكيان سياسي أو أمني منفصل.
‏وجاء الموقف الأميركي الأخير ليضع حدوداً أكثر وضوحاً للمسار السياسي، إذ حذر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك من خطورة الفراغ القائم في السويداء، مؤكداً أن غياب الحكم أفسح المجال أمام العصابات لملء هذا الفراغ، ومستشهداً بما تعرض له الوجيه عاطف هنيدي من احتجاز وإبعاد بعد موقفه الرافض للانفصال. وأعاد برّاك التأكيد أن خريطة الطريق الثلاثية التي جرى التوصل إليها بين دمشق وعمّان وواشنطن ما تزال الطريق الوحيد للمضي قدماً، وأن الهدف هو إعادة دمج السويداء في الدولة السورية بصورة تحفظ كرامة المجتمع الدرزي وكامل حقوقه وواجباته في المواطنة. كما شدد على ضرورة حصر استخدام القوة بيد الدولة ومعالجة الخلافات بالحوار والمحاسبة واستعادة الأمن وعودة النازحين وإعادة الإعمار، وهو موقف يحمل رسالة مباشرة بأن واشنطن لا تطرح الانفصال أو قيام سلطة مسلحة موازية للدولة حلاً للأزمة، بل تدفع باتجاه إنهاء الفراغ وإعادة سلطة المؤسسات ضمن تسوية سياسية وأمنية شاملة.
‏وتعزز هذا الاتجاه مع إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تمضي بثبات في تنفيذ خريطة الطريق الخاصة بالسويداء بالتعاون مع الأردن، بهدف إرساء السلام وضمان اندماج المحافظة في نسيجها الوطني وتمتع أبنائها بكامل حقوق المواطنة وواجباتها، مؤكداً في الوقت نفسه أن حصرية السلاح وقرار الردع حق سيادي للدولة وحدها. ويضع هذا الموقف مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة في قلب أي تسوية مقبلة، ويؤكد أن الترتيبات المحلية الممكنة في السويداء لن تعني الاعتراف بسلطة عسكرية مستقلة، وإنما يفترض أن تكون جزءاً من عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الأمن والخدمات والتمثيل المحلي ضمن إطار وطني واحد.
‏وفي موازاة ذلك، يكتسب الموقف الأخير للوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا أهمية سياسية خاصة، لكونه من أبرز الشخصيات الدرزية الإسرائيلية التي دعمت سابقاً رفع سقف مطالب السويداء، وتحدث بصورة علنية عن الإدارة الذاتية والكونفدرالية وحق تقرير المصير، ووصل في مواقفه السابقة إلى اعتبار ملف السويداء أحد الملفات الأساسية في المفاوضات السورية–الإسرائيلية. إلا أن قرا أكد، بحسب المقطع الذي نشره على صفحته في فيسبوك في 6 أيلول، أن السويداء جزء من سوريا ولا يوجد انفصال، وهو تحول لافت إذا ما قورن بخطابه السابق. ولا يمثل كلام قرا موقفاً رسمياً للحكومة الإسرائيلية، إلا أن أهميته تنبع من صدوره عن شخصية كانت من أبرز الداعمين داخل الوسط الدرزي الإسرائيلي للطروحات الأكثر استقلالية في السويداء، ما يشير إلى تراجع واضح في سقف هذه الطروحات والانتقال من البحث في مصير المحافظة خارج سلطة دمشق إلى البحث عن ضمانات لمستقبلها داخل سوريا.
‏وبذلك أصبحت سبل الحل أكثر وضوحاً وأقل قابلية للمناورة: تثبيت وقف إطلاق النار، حصر السلاح والقوة المنظمة بيد الدولة، إنهاء ملف الخطف والاحتجاز والمفقودين، محاسبة مرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف، إعادة النازحين، تأمين طريق دمشق–السويداء وحركة المواطنين والبضائع، استعادة الكهرباء والمياه والخدمات والمؤسسات، وتوفير تمثيل محلي حقيقي لأبناء المحافظة ضمن مؤسسات الدولة. وتسمح خريطة الطريق بترتيبات انتقالية تساعد على إعادة بناء الثقة وإشراك المجتمع المحلي في إدارة شؤونه، لكنها تضع نهايتها بصورة واضحة عند استعادة مؤسسات الدولة واندماج المحافظة فيها، وليس إنشاء واقع سياسي منفصل عنها.
‏وعليه، فإن المعركة السياسية حول السويداء تنتقل تدريجياً من سؤال الانفصال إلى شروط وكيفية إعادة الاندماج في الدولة السورية. فالموقف الأميركي بات أكثر وضوحاً في رفض استمرار الفراغ الذي تملؤه العصابات والمجموعات المسلحة، ودمشق تتمسك بحصرية السلاح والسيادة، والأردن والولايات المتحدة يدفعان باتجاه خريطة الطريق، فيما يظهر تراجع في سقف خطاب شخصيات درزية إسرائيلية كانت سابقاً أكثر اندفاعاً نحو مشاريع الكونفدرالية وتقرير المصير. وتضع هذه المعطيات خيار الانفصال أمام تضييق سياسي متزايد، مقابل تقدم صيغة تقوم على بقاء السويداء جزءاً من سوريا مع ضمان حقوق أبنائها وأمنهم وتمثيلهم المحلي ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وإعادة الخدمات. وبذلك يصبح نجاح الحل مرتبطاً بقدرة جميع الأطراف على الانتقال من سلطة السلاح والفراغ الأمني إلى سلطة المؤسسات والقانون، باعتبارها الطريق الأقصر لإنهاء الأزمة ومنع المحافظة من الدخول في جولة جديدة من العنف والانقسام.