فايز الشاقلدي

نائب يوظّف... ودولة تصمت

نبض البلد -
كتب _ فايز الشاقلدي
  في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يجرؤ نائب على الوقوف أمام الناس ليتباهى بأنه "وظّف المئات" في مؤسسات الدولة، لأن مجرد هذا الادعاء يفتح أبوابًا واسعة من الأسئلة القانونية والأخلاقية.
  أما عندنا، فيُقال الكلام بكل ثقة، وكأنه إنجاز سياسي يستحق التصفيق، لا تصريح يستوجب المساءلة.
 إذا كان النائب قد وظّف فعلًا مئات الأشخاص، فإن السؤال ليس: كم وظّف؟ بل: بأي صفة؟ وهل يملك نائب في دولة المؤسسات صلاحية إدخال الناس إلى الوظيفة العامة؟ أم أن القانون أصبح مجرد لافتة تُعلّق على الجدران، بينما تُدار التعيينات في الكواليس؟
الوظيفة العامة ليست غنيمة انتخابية، وليست مكافأة للموالين، ولا وسيلة لتعزيز الشعبية. إنها حق لكل مواطن تتوافر فيه شروط الكفاءة، وتُمنح عبر منافسة عادلة، لا عبر بطاقة تعريف تحمل صفة "سعادة النائب".
  فإذا كان الوصول إلى الوظيفة يمر عبر مكتب نائب، فما جدوى أن نتحدث عن العدالة، أو تكافؤ الفرص، أو هيئات الخدمة العامة؟
والأخطر من التصريح نفسه، هو الصمت الذي يحيط به. فمن حق الأردنيين أن يسمعوا ردًا حكوميًا واضحًا لا يحتمل التأويل. هل ما قيل صحيح؟ وهل تمت تلك التعيينات وفق الأصول القانونية؟ وهل خضعت لإعلانات ومنافسات واختبارات كما ينص القانون؟ أم أن هناك من اختصر الطريق على حساب آلاف الشباب الذين ينتظرون دورهم منذ سنوات؟
كل وظيفة حصل عليها شخص بفضل النفوذ، تعني أن فرصة انتُزعت من شخص آخر كان يؤمن بأن الدولة لا تزال تحكمها الأنظمة والقوانين.
   خلف كل رقم يتفاخر به سياسي، قد يقف شاب يحمل شهادة، وملفًا نظيفًا، وسنوات من الانتظار، لكنه لم يكن يملك نائبًا يتحدث باسمه.
البرلمان وُجد ليراقب الحكومة، لا ليصبح مكتب تشغيل. والنائب مُنح ثقة الناس ليحمي المال العام، ويحاسب السلطة التنفيذية، ويشرّع القوانين، لا ليُقدّم نفسه بوصفه بوابة العبور إلى الوظيفة العامة.
  فإذا تحوّل التوظيف إلى جزء من الخطاب الانتخابي، فإننا لا نكون أمام إنجاز، بل أمام خلل عميق في مفهوم الدولة.
 اليوم، لا نريد سجالًا سياسيًا، ولا تبادلًا للاتهامات نريد الحقيقة فقط. نريد من الحكومة أن تخرج للرأي العام ببيان واضح، يضع النقاط على الحروف، ويؤكد أن الوظيفة العامة لا تُمنح بالنفوذ، وأن حقوق الأردنيين لا تُوزع وفق موازين السياسة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة، ليس أن تُرتكب الأخطاء، بل أن يتحول الخطأ إلى مصدر فخر، وأن يصبح تجاوز القانون وسامًا يتباهى به البعض، بينما يكتفي أصحاب القرار بالصمت.