نبض البلد - لم يكن إدراج مدينة السلط على قائمة التراث العالمي إنجازا احتفاليا يضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية، بل كان تكليفا أخلاقيا وثقافيا وتنمويا يضع الجميع أمام مسؤولية مضاعفة للحفاظ على هذه المدينة التي اختزلت في حجارتها وناسها وتاريخها نموذجا أردنيا فريدا في التعايش والهوية والانتماء.
واليوم، ونحن نستحضر مقولة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بأن السلط هي "مدينة التراث"، فإن هذه المقولة يجب أن تتحول من وصف إلى مشروع وطني متكامل، تتضافر فيه الإرادات، وتتقاطع فيه الأدوار، وتتحد فيه الجهود، ليصبح التراث ركيزة للتنمية، لا مجرد إرث نسعى إلى حمايته.
ولا شك أن السنوات الماضية شهدت جهودا وطنية ومؤسسية ومجتمعية تستحق كل التقدير، أسهمت في إنقاذ العديد من المباني التراثية، ورفعت الوعي بقيمتها التاريخية، وأعادت الاعتبار لمكانة السلط الحضارية. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من العمل المتفرق إلى العمل المؤسسي التكاملي، ومن المبادرات المنفردة إلى منظومة شراكة وطنية تتقاسم المسؤوليات وتتكامل فيها الأدوار.
إن مستقبل التراث في السلط لا يرتبط بوجود مؤسسة بعينها، ولا لجنة بعينها، بل بوجود رؤية وطنية واضحة، وخطة استراتيجية مستدامة، تستند إلى المعرفة، وقواعد البيانات، وأولويات التدخل، والتمويل المستدام، والتشريعات المرنة، وبناء القدرات الوطنية في مجالات الترميم والإدارة والتوثيق، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي بوصفه الشريك الأول في حماية تراث مدينته.
ولا يمكن لأي رؤية وطنية أن تحقق أهدافها دون أن تكون بلدية السلط الكبرى في قلب منظومة العمل، ليس باعتبارها جهة خدمية فحسب، بل شريكا استراتيجيا يقود التنسيق المحلي، ويحتضن المبادرات المجتمعية، ويعمل على توحيد الجهود في إطار رؤية تنموية متكاملة، تعزز مكانة المدينة وتحافظ على هويتها التراثية.
كما أن الحديث عن التراث لم يعد يعني الأبنية وحدها، فالقيمة الحقيقية للسلط تكمن أيضا في تراثها غير المادي؛ في الحكاية، والذاكرة، والحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والعادات الاجتماعية، والموروث الثقافي الذي منح المدينة شخصيتها المميزة. فالحفاظ على الحجر دون الإنسان، أو على المبنى دون الحكاية، يترك مشروع الحماية ناقصا.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن إطار إداري جديد بقدر ما هو بناء منظومة عمل وطنية مرنة، قادرة على توحيد جهود جميع الشركاء، من الوزارات والمؤسسات الرسمية، والبلديات، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، وأصحاب البيوت التراثية، والمبادرات المجتمعية، بحيث تعمل جميعها وفق رؤية واحدة وأهداف مشتركة ومؤشرات أداء واضحة.
أمين الهاشم العربيات...
مبادرة تراثنا ذهبنا...
الجمعيه الاردنيه للمحافظه على التراث