نبض البلد - د. خالد العاص
يمثل الموقف الأردني من الاتفاق المتعلق بتنفيذ المراحل المقبلة من خطة السلام في قطاع غزة امتداداً لنهج سياسي ثابت يقوم على ضرورة تحويل التفاهمات الدولية إلى خطوات عملية تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام مسار سياسي قابل للاستمرار. وجاء ترحيب عمّان بالإعلان الأميركي في سياق دعم الجهود الدبلوماسية التي قادت إلى التوصل للاتفاق، مع التأكيد على أهمية الدور الذي لعبته الأطراف الإقليمية والدولية المشاركة، باعتبار أن معالجة أزمة غزة تتطلب تنسيقاً واسعاً يتجاوز الجانب العسكري نحو ترتيبات سياسية وأمنية شاملة.
ويرى الأردن أن نجاح أي خطة للسلام لا يرتبط بمجرد الإعلان عنها، وإنما بقدرة الأطراف المعنية على تنفيذ بنودها وفق آليات واضحة وجداول زمنية محددة. ولذلك تؤكد المملكة أهمية الالتزام بجميع المراحل المتفق عليها، بما يضمن الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تثبيت الاستقرار ومنع عودة التصعيد. وفي هذا السياق، يشكل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم إعادة الإعمار، عناصر أساسية في الرؤية الأردنية لمرحلة ما بعد الحرب.
وفي الجانب الأمني، يؤكد الأردن أن أي ترتيبات مستقبلية تحتاج إلى ضمانات عملية تحقق الاستقرار، بما في ذلك وجود آليات دولية خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن هذه الإجراءات لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الحل السياسي. فالتجربة الإقليمية أثبتت أن المقاربات الأمنية وحدها لا تستطيع إنهاء الصراعات، وأن غياب الأفق السياسي يبقي أسباب التوتر قائمة وقابلة للعودة.
ويرفض الأردن التعامل مع قطاع غزة باعتباره ملفاً منفصلاً عن القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وتعزيز دور السلطة الفلسطينية يمثلان جزءاً أساسياً من أي ترتيبات مستقبلية. وترى عمّان أن نجاح أي خطة سلام يرتبط بقدرتها على الانتقال من معالجة تداعيات الحرب إلى معالجة جذور الصراع، عبر مسار سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لذلك تدفع الدبلوماسية الأردنية باتجاه صيغة تجمع بين إعادة إعمار القطاع وتحقيق الاستقرار الأمني من جهة، وإطلاق أفق سياسي جاد من جهة أخرى، باعتبار أن السلام الدائم يتطلب معالجة الأسباب السياسية للصراع وليس فقط احتواء نتائجه.
ويضع الموقف الأردني المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في مرحلة ما بعد الحرب، إذ إن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بمدى قدرته على تأسيس واقع جديد يمنع تكرار الأزمات. ويتطلب ذلك التزاماً دولياً واضحاً يربط بين الأمن والتنمية والحقوق السياسية، ويضمن تنفيذ التفاهمات على الأرض بعيداً عن منطق التسويات المؤقتة.
وعليه، فإن مستقبل خطة السلام في غزة سيعتمد على قدرتها على التحول من إطار لوقف الحرب إلى مدخل لحل سياسي شامل. فبالنسبة للأردن، يبقى السلام الحقيقي مرتبطاً بإنهاء أسباب الصراع، وليس فقط إدارة تداعياته، بما يحقق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف ويفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في المنطقة.