نبض البلد -
دخلت الولايات المتحدة الحرب الأخيرة ضد إيران بأجندة واسعة، شملت الملف النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي، مرت أشهر الحرب بين ضغط عسكري وتفاوض، وكانت اليد العليا فيها أميركية، بينما استثمرت إيران الوقت إستراتيجيا، وكان الظن السائد أن واشنطن ستفرض إرادتها بالقوة، لكن مذكرة التفاهم بددت هذا الظن، وأثبتت أن إيران أعلى كعبا تفاوضيا، وأن صبرها واستثمارها للوقت يدفعان خصمها إلى التنازل.
تنفس العالم الصعداء عندما أعلنت باكستان الاتفاق، لكن المنخرطين في الملف صعقوا من حجم التنازل الأميركي والفخاخ المنصوبة في كل فقرة، ما يطرح أسئلة مشروعة: هل خدع فريق أميركي متعجل يعشق الصفقات؟ أم أن واشنطن تعرف حقيقة النص وقبلته شراء للوقت بانتظار فشل المفاوضات والعودة إلى الحرب، أم أنها اقتنعت أن القوة العسكرية لن تجدي؟ تنازلت واشنطن عن أهم أوراق ضغطها مبكرا، فالمذكرة لم تعكس موازين القوة، بل أظهرت قدرة طهران على تحويل أوراق ضعفها إلى مكتسبات تفاوضية بدل أن تكون أسبابا لمعاقبتها.
فالمادة الأولى، المتعلقة بوقف الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان، هي إقرار حرفي بفكرة وحدة الساحات والوكلاء، وانتزاع لبنان من يد الدولة لمصلحة حزب الله، ولم يكن خطاب السيد نعيم قاسم سوى خطاب نصر، لا على إسرائيل، بل على مفهوم الدولة اللبنانية ووحدتها، وهذا انتصار لسردية إيران، يمنحها حق إدخال ملفات عربية ضمن مفاوضاتها مع واشنطن.
البند الثالث، المتعلق بوقف الحرب لستين يوما قابلة للتمديد، يعلم الطرفان أن المهلة غير كافية لتفاهم حقيقي، وهو ما يجعلها تمديدا متكررا يخدم الطرفين: ترامب يستفيد من انخفاض أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية، وإيران تستفيد من نافذة النفط والأموال المجمدة لإعادة التموضع، فالمهلة مكسب إيراني مستمر، لا أداة ضغط أميركية.
أما البند الرابع، الخاص برفع الحصار وسحب القوات خلال ثلاثين يوما، فهو تخل مبكر عن أهم ورقة ضغط أميركية، يرافقه في البند الخامس اعتراف ضمني بحق إيران في إجراءات خاصة بالمضيق، فالسماح بتصدير نفطها يدر عليها نحو عشرة مليارات دولار، كأنه ثمن لفتح المضيق، وربط فتح الممر بحسن نية إيران يفتح باب التأويلات، ويحوّل طهران من دولة عطلت الملاحة وأضرت بالجميع إلى طرف يستشار في مستقبل المضيق، بينما يمثل تعهد واشنطن بالاستثمار بثلاثمائة مليار دولار لإعادة إعمار إيران فشلا مزدوجا: فهو تجاهل لأضرار العدوان الإيراني على الخليج وحقه في التعويض، وتطابق لافت مع تقديرات طهران لأضرارها، وكأن واشنطن لبت مطالب إيران بعنوان مزيف، في مكافأة لمن استخدم صواريخه ومليشياته لابتزاز المنطقة.
البند السابع، المعني برفع العقوبات، مرتبط فقط بالنووي، دون ربط بالوكلاء أو الصواريخ أو السلوك الإقليمي، فواشنطن تفاوض على النووي بينما تدفع المنطقة ثمن النفوذ غير النووي، وكأن ذلك اعتراف ضمني بكل ما لم يذكر، في المقابل، تعهدت إيران في البند الثامن بعدم امتلاك سلاح نووي، وهذا ليس جديدا، فقد كررته دائما ووصلت إلى تخصيب ستين في المائة، والجديد أن المذكرة لا تنص على تفكيك المخزون أو نقله، بل خفض التخصيب موقعيا تحت إشراف الوكالة، وتترك مسألة التخصيب للنقاش، وهو تنازل مبكر يحول خطا أحمر سابقا إلى موضوع تفاوضي.
البند التاسع، يمنع واشنطن من فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية، وهذا تقييد ذاتي للقوة في وقت تحتاج فيه إلى أوراق ضغط لا تجميدها.
والبندان العاشر والحادي عشر، المتعلقان بإعفاءات تقدمها وزارة الخزانة، وإطلاق الأموال المجمدة، يمنحان إيران أوكسجينا ماليا مبكرا يقلص حافزها على تقديم تنازلات حقيقية، فكيف تمنح الجائزة قبل الاختبار؟
في المقابل يكره ترامب مقارنة اتفاقه باتفاق أوباما، لكن الفارق أن أوباما حصر تفاوضه في النووي وأغفل النفوذ الإقليمي والصواريخ، أما مذكرة ترامب فذهبت أبعد: لم تتجاهل الإقليم بل أدخلته في النص- لبنان، هرمز- وفتحت لإيران باب المكافآت الاقتصادية قبل حسم سلوكها، فحيث قيد أوباما النووي وأغفل النفوذ، شرعن ترامب النفوذ وأجل النووي فقط.
لكن الخطر الأكبر أن تحول الولايات المتحدة الدول العربية إلى ممول لتأهيل إيران، بدل أن تكون ضامنا لأمنها، بالتالي فإن الموقف العربي يجب أن يكون واضحا: لا استثمار في إيران قبل تعويض الدول المتضررة وضمانات عدم العدوان، ولا قبول بإدارة منفردة أو مبهمة لمضيق هرمز، ولا رفع شاملا للعقوبات قبل حل ملفي الوكلاء والصواريخ، ولا اتفاق أميركيا إيرانيا يعقد فوق رأس المتضررين العرب، فالموافقة على هذه المذكرة كما هي وصفة جاهزة لإعادة إنتاج إيران المتنمرة، بثمن عربي، وستخرج إيران من الحرب لا بصفتها دولة ملزمة بتغيير سلوكها، بل نظاما كوفئ لأنه عرف كيف يحول أدواته من مضيق ووكلاء إلى أوراق ابتزاز وتفاوض، وحول معها الإقليم كله إلى طاولة تفاوض.