أمل الرندي: من يريد أن يكتب في أدب الطفل عليه أن يحبه أولا

نبض البلد -

 

أجرى الحوار: الكاتب أسيد الحوتري

.

تُعدّ القاصة الكويتية أمل الرندي من الأسماء الأدبية المعروفة في مجال أدب الطفل في الكويت، حيث ارتبط اسمها بالكتابة الموجهة إلى الفئات العمرية الصغيرة، مع اهتمام واضح ببناء النص القصصي القائم على القيم التربوية والإنسانية وتنمية الخيال لدى الطفل. وقد برز حضورها في المشهد الثقافي من خلال مشاركاتها في الفعاليات والأنشطة الأدبية المهتمة بأدب الطفل، إلى جانب مساهماتها في تعزيز هذا اللون الأدبي داخل البيئة الثقافية الخليجية.

 

تنطلق تجربة الرندي في الكتابة من إيمانها بأن أدب الطفل ليس مجرد حكايات موجهة للصغار، بل هو مسؤولية تربوية وفنية تتطلب فهما عميقا لعالم الطفولة واحتياجاتها النفسية والمعرفية، إضافة إلى حساسية خاصة في اختيار اللغة والأسلوب.

 

في هذا الحوار، تفتح أمل الرندي نافذة على تجربتها في الكتابة للأطفال، وتكشف عن رؤيتها لواقع أدب الطفل العربي، والتحديات التي تواجه الكاتب في هذا المجال، والشروط التي ينبغي أن تتوافر في من يختار مخاطبة هذه الفئة العمرية. كما تؤكد أن البداية الحقيقية في هذا الطريق تنبع من الحب الصادق لعالم الطفل، إذ ترى أن "من يريد أن يكتب في أدب الطفل عليه أن يحبه أولا"، وهي الفكرة التي تشكل مدخل هذا اللقاء.

 

 

1- ما الدافع الأول الذي قادك لاختيار أدب الطفل مجالا لإبداعك؟ وهل كانت البداية بدافع شخصي مرتبط بتجربتك كأم ومربية أم انطلقت من رؤية ثقافية أوسع تجاه الطفولة والقراءة؟

- دائما أقول إن أدب الطفل قدري، لم اختره بل هو الذي اختارني، فأول قصة كتبتها كنت طالبة في الجامعة (جامعة حلوان قسم رياض أطفال) في مصر، وكان لدي مقرر مادة أدب الطفل، وكنت محظوظة أن من درسني هذه المادة عميد أدب الطفل في الوطن العربي يعقوب الشاروني الذي قال مرة للطلاب: "القصة الأفضل سوف يتم نشرها في مجلة (نصف الدنيا)"، وهي مجلة أسرية مشهورة في القاهرة، وكانت قصتي (الفيل صديقي) هي التي تم اختيارها ونشرها حينها.

من هنا كانت الشرارة الأولى التي تشي أنني أستطيع أن أكتب، وبالفعل، انطلقت في الكتابة، فكتبت مجموعتي القصصية (مجموعة قصص الأمل التربوية للأطفال)، وكانت خاصة بمرحلة الطفولة المبكرة (3-6 سنوات)، وتضم ما يقرب من 20 قصة، تم تدريسها في رياض الأطفال في الكويت، وبعد ذلك أصبح أدب الطفل جزءاً من حياتي، ورسالة أسعى بكل طاقتي لإيصالها للأطفال.

 

2- في سيرتك الذاتية يظهر أنك حصدت جائزة الدولة التشجيعية مرتين وجوائز محلية أخرى، وجوائز عربية، كيف أثرت هذه التكريمات على مسارك الإبداعي وعلى اختياراتك الموضوعية في الكتابة للأطفال؟ هل غيّرت من منهجك؟

- دائما أقول إنني أخلصت لأدب الطفل، وكان وفياً لي.. والحمد لله كانت ثمرة هذا الوفاء الجوائز التي حصدتها من الكويت وخارجها. الحمد لله أنا محظوظة لأني حصدت جائزة الدولة التشجيعية مرتين في فئة أدب الطفل، وهذا إنجاز أسعدني، وكنت فخورة جداً، عندما فزت بمجموعتي الأولى (قصص الأمل) عام 2011، وأسست بعدها دار نشر (شمس الكويت)، وطبعت مجموعتي القصصية الثانية للأطفال (حدائق العسل) حتى أستطيع التحكم بالنص الأدبي والطباعة الفاخرة والرسوم المبهرة للأطفال في مؤسسة واحدة، والحمد لله حصدت هذه المجموعة الثانية أيضاً جائزة الدولة التشجيعية للمرة الثانية عام 2015.

وأصبح من أهدافي وشغفي دائماً تقديم كل ما هو جديد، ويلامس بيئة الطفل الكويتي والعربي. ومن هنا أتت الجوائز الأخرى، وكانت آخر جائزة أسعدتني كثيراً هي جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية، كونها خاصة بالمرأة المبدعة، وكنت أول كويتية تحصل عليها بعد انطلاقها.

لا شك أن التكريم ونيل الجوائز وضعاني أمام مسؤولية كبيرة، جعلتني أفكر أكثر في الأسلوب والمضمون، ومنهج الكتابة بالطبع، كما جعلتني أكثر من القراءة. أهم ما حاولت الإصرار عليه أن يكون الأسلوب سلساً وجذاباً، واللغة يجب أن تكون أعلى بقليل من مستوى الطفل القارئ، كي يرتقي إليها ويحصّل مفردات جديدة. أحاول دائماً الحفاظ على مستوى اللغة بعيداً عن الحشو الممل، وقريباً من الاختصار المشعّ. وفي كل الحالات أحاول أن أقدم نصاً جديداً، أتجدد فيه أنا الكاتبة، ويقدم للقارئ المتابع مفاجآت.

 

3- قراء ونقاد يذكرون عناوين مثل "طائر الحرية" و"سفراء التسامح" و"حدائق العسل"، كيف تختارين موضوع القصة؟ هل تميلين إلى القضايا القيمية (التسامح، الحرية...) أم تُلهمك مواقف يومية من بيئة الطفل؟

- الاثنين معاً، في الحقيقة! أحرص دائما على تقديم قيمة أخلاقية وإنسانية في قصصي للأطفال، فالهدف من أي قصة أن تكون مفيدة وممتعة، فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وكل ما نتلقاه ونحن صغار ينطبع في ذاكرتنا ومشاعرنا وسلوكنا، فمهم جداً أن تكون القصة تلامس مشاعر الطفل وبيئته وحياته اليومية، وأحرص أيضاً على أن يكون الطفل إيجابياً، لا أعطيه الحلول بل أجعله هو من يفكر ويحاول من خلال أبطال القصص، وقد تأتي أيضا أفكار القصص من مواقف مع الأطفال، أو أشاهد الأطفال وهم يقومون بسلوك ما، فيلهمني بكتابة قصة، مثل قصة (نجم المستطيل الأخضر) التي كان موضوعها عن المنافسة الشريفة في ملعب كرة القدم، والتسامح، وقد فزت بها بجائزة الشيخ راشد بن حميد للثقافة والعلوم من (عجمان) الإمارات العربية المتحدة.

 

4- من ناحية الفئات العمرية: كيف تفرقين في كتاباتك بين النص الموجَّه لمرحلة الروضة (القراءة المصاحبة) والقراءة الابتدائية المبكرة والمتوسطة؟ هل تكتبين بخطة عمرية محددة أم تتبعين الحس القصصي والمضمون؟

- عندما ابدأ كتابة أي قصة الخطوة الأولى بالنسبة إليّ أن أحدد الفئة المستهدفة (العمر)، وأنا كتبت مستهدفة الأعمار (3-6) مثلا أو (6-8) أو (8-12). وهذا له علاقة باختيار الموضوع المناسب لكل عمر، واختيار المفردات اللغوية المناسبة أيضاً. وقد يكون موضوع مثل التعاون يناسب كل الأعمار، لكن المفردات والصياغات وتسلسل الأحداث والحبكة تكون مختلفة من عمر لآخر. لذا أرى أن يكون كاتب أدب الطفل مدركاً بشكل دقيق حساسية اختيار الموضوعات والمفردات لكل فئة، حتى تصل إلى عقل ومشاعر الطفل، ويستفيد منها.

 

5- لمبادرتك "أصدقاء المكتبة" أثر ميداني واضح، ما قصّة انطلاقتها، وما الأهداف القريبة والبعيدة التي تطمحين لتحقيقها في العالم العربي؟ وما التحديات الأساسية التي واجهتكم أثناء التوسع عربيا؟

- دائما أقول (مبادرة أصدقاء المكتبة على المستوى العربي) حلم يتجدد! وشعارها (جسر.. بين المبدع والطفل).

المبادرة بالنسبة إليّ حلم ورؤية، لجعل أدب الطفل أو الفنون بالنسبة إلى الطفل جزءاً من ثقافته، لذا دائماً أحرص على تجديد الأفكار التي أقدمها للأطفال، من خلال المبادرة، وأن تصل لفئات متنوعة منهم، سواء في مدارس حكومية، أو خاصة، أو أي طفل في أي مكان في الكويت أو خارجها، وهذا الأمر ليس سهلاً. لكنني خضت التحدي، ذهبت بالمبادرة إلى مخيم (الأزرق) في الأردن مثلاً، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتقينا، أنا وزملائي، بأطفال اللاجئين السوريين هناك.

كنت حريصة على انطلاق المبادرة، عندما كنت رئيسة لجنة أدب الطفل في رابطة الأدباء الكويتيين، في عام 2018، وبدأ نشاط المبادرة بمشاركة عدد من كتّاب أدب الطفل، بشكل غير تقليدي، إذ قدمتها في "مول" تجاري (الأفينيوز) في "مكتبة ذات السلاسل"، حتى أسهل على ولي الأمر إحضار ابنه وتمضية الوقت في التسوق أو الجلوس في مقهى، في حال لم يُرِد المشاركة. كذلك قدمتها بالتعاون مع مدرسة البيان ثنائية اللغة، حيث يكون الحضور الى حد ما منظم. والحمد لله، نجحت الفكرة التي تعتبر خارج الصندوق.

في العام التالي طورت الفكرة أكثر، وبات يشارك فيها مبدعون في مجالات مختلفة، فبالإضافة إلى الأدب، حضر الفن والإعلام، وأصبح شعار المبادرة (جسر.. بين المبدع والطفل). كما انتقلنا بها من المستوى المحلي إلى المستوى العربي، إن لجهة مشاركة مبدعين عرب، أو انتقالها إلى دول عربية. وكانت أول مشاركة عربية من الكاتبة التونسية د. وفاء المزغني، بحضور أطفال الجالية التونسية، وسفير تونس في الكويت، فكانت، والحمد لله، انطلاقة قوية. بعدها توالت مشاركات المبدعين العرب، (من الأردن، مصر، سوريا، البحرين، العراق، السعودية، اليمن، المغرب) كما خرجت المبادرة خارج الكويت، فكانت أيضا انطلاقة…