.نضال أنور المجالي

("مصلحة الوطن فوق الترضيات.. كفى استنزافاً لـمُقدّراتنا باسم الاستشارات!")

نبض البلد -
بقلم نضال انور المجالي


في عالم الإدارة الحديثة، هناك قاعدة ذهبية تقول: "إذا أردت أن تقتل فكرة، فشكّل لها لجنة، وإذا أردت أن تُربك قراراً، فعين له فيلقاً من المستشارين".
​لقد أصبحت ظاهرة تضخم أعداد المستشارين في مؤسساتنا ووزاراتنا أشبه بالمرض المزمن الذي ينخر في جسد الكفاءة الإدارية ويهدر الميزانيات. والمفارقة هنا أن كثرة المستشارين لم تؤدِّ إلى تجويد القرارات، بل على العكس؛ أسهمت في إبطائها، وتشتيت البوصلة، وتحويل غرف القرار إلى ساحات للجدل العقيم والوجاهة الاجتماعية.
​إليكم مقال نصيحة صريح، يضع النقاط على الحروف حول ضرورة "ترشيق" هذا الملف:
​1. الاستشارة "قيمة نوعية" وليست "كمّاً وظيفياً"
​إن المستشار الحقيقي هو عملة نادرة، وعقل استثنائي يُلجأ إليه في المنعطفات الحرجة والأزمات المعقدة. عندما تتحول "الاستشارة" إلى وظيفة روتينية يُعين فيها العشرات، تفقد قيمتها وهيبتها.
​النصيحة الأولى لصانع القرار: ابحث عن "الكيف" لا "الكم". مستشار واحد يمتلك الخبرة الميدانية والجرأة على قول الحقيقة، خيرٌ من عشرين مستشاراً يكتفون بهز الرؤوس وتنميق التقارير التي لا يقرؤها أحد.
​2. كثرة الطباخين تُفسد الطبخة!
​حين تتعدد الآراء في المسألة الواحدة من أشخاص لا يحملون مسؤولية التنفيذ المباشر، يدخل المسؤول في حالة من "الشلل التحليلي". يبدأ المستشارون في التنافس لإثبات الوجود، ليس عبر تقديم حلول عملية، بل عبر تعقيد المتاح وتصيد الأخطاء لبعضهم البعض.
​تقليص أعداد المستشارين يمنح صانع القرار رؤية أوضح، ويحسم الجدل، ويمنع تداخل الصلاحيات الذي يربك الموظفين التنفيذيين في الميدان.
​3. احذروا "المستشار العازل"
​من أخطر إفرازات كثرة المستشارين هي صناعة "جدار عازل" بين القائد وميدانه. يصبح المستشار هو الفلتر الذي يمر من خلاله كل شيء، فيحجب الحقائق الصادمة، ويجمّل الواقع، وينقل فقط ما يروق للمسؤول.
​نصيحتنا: خففوا من هذه الحواشي. دعوا قنوات الاتصال مباشرة مع مدراء الدوائر ورؤساء الأقسام الذين يواجهون المشكلات اليومية وجهاً لوجه؛ فهم الأقدر على تشخيص الداء ووصف الدواء دون فزلكة تنظيرية.
​4. عدالة الميدان مهددة بـ "التنفيع"
​عندما يرى الموظف الكادح الذي يفني سنوات عمره في العمل الدؤوب أن المناصب الاستشارية تُوزع كـ "ترضيات" أو مكافآت نهاية خدمة لأشخاص لم يقدموا بصمة ملموسة، يصاب بالإحباط وتتراجع إنتاجيته.
​ترشيق أعداد المستشارين وضبط معايير اختيارهم يعيد للمؤسسة هيبتها، ويرسخ قيم العدالة وتكافؤ الفرص، ويوجه تلك الميزانيات الضخمة لدعم الكفاءات الشابة والمبدعة في خطوط العمل الأمامية.
​خلاصة القول ومسك النصيحة:
إن قوة المؤسسة لا تُقاس بعدد المستشارين الذين يصطفون خلف المسؤول في الصور الرسمية، بل بمرونة جهازها الإداري وسرعة إنتاجيتها.
​قللوا من المستشارين، وافتحوا الأبواب للميدان، واجعلوا اللقب لمن يستحقه بعلمه وثقله ومواقفة.. فرُبّ رأي سديد من موظف بسيط، يزن خزانة كاملة من أوراق المستشارين!حفظ الله الاردن والهاشمين