إيران وتوسيع ساحات الردع

نبض البلد -

محسن الشوبكي 
يشهد المشهد الإقليمي تصاعدًا واضحًا في التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وسط بيئة أمنية معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية. وفي هذا السياق، حملت تصريحات المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي والحرس الثوري رسائل متطابقة تؤكد أن أي اعتداء جديد على إيران لن يبقى ضمن حدود الشرق الأوسط، بل إن الرد قد يمتد إلى خارج المنطقة . ويعكس هذا التوافق بين القيادة الدينية والعسكرية، التي تمثل الطرف الأكثر تشددًا وتأثيرًا داخل النظام الإيراني، توجهًا موحدًا يقوم على رفع مستوى الردع وتحذير الخصوم من أن أي مواجهة مقبلة ستكون واسعة الكلفة والتداعيات.

تعتمد إيران في استراتيجيتها الأمنية على مبدأ "رفع الكلفة” بدل الانخراط في حرب شاملة مباشرة، ولذلك تستخدم مزيجًا من القدرات العسكرية التقليدية وأدوات الحرب غير المباشرة، بما يشمل الصواريخ بعيدة المدى، والعمليات السيبرانية، وشبكات الحلفاء المنتشرة في عدة ساحات. ومن هنا، فإن التلويح بتوسيع نطاق الرد خارج المنطقة لا يعني بالضرورة التوجه نحو مواجهة مفتوحة، بقدر ما يمثل جزءًا من خطاب سياسي وأمني يهدف إلى تعزيز الردع وإرباك حسابات الخصوم.

وفي المقابل، تدرك طهران أن تنفيذ عمليات مباشرة وواسعة خارج الشرق الأوسط قد يمنح الولايات المتحدة فرصة أكبر لحشد دعم دولي ضدها، كما قد يعزز شرعية أي تحرك عسكري أو سياسي تقوده واشنطن. لذلك تبدو إيران حريصة على الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار القدرة على التصعيد وبين تجنب خطوات قد تدفع نحو مواجهة دولية شاملة يصعب احتواؤها.

ويشير السلوك الإيراني خلال السنوات الماضية إلى اعتماد سياسة "الرد المحسوب”، التي تقوم على توجيه رسائل قوة مدروسة دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار واسع. ولهذا، فإن الحديث عن الرد خارج المنطقة قد يشمل عمليات غير مباشرة أو سيبرانية أو استهداف مصالح حيوية بوسائل غير تقليدية، بما يحقق الضغط المطلوب دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

في ضوء ذلك، تبدو التصريحات الإيرانية الأخيرة جزءًا من معركة ردع سياسية وأمنية تهدف إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي استهداف لإيران لن تبقى تداعياته محصورة داخل الإقليم، بل قد تمتد إلى ساحات أوسع، مع استمرار حرص طهران على إدارة التصعيد ضمن حدود تمنع الانهيار الشامل للمواجهة.