بوصلة الأردنيين نحو النزاهة: معركة الدولة والمجتمع ضد الفساد

نبض البلد -
بوصلة الأردنيين نحو النزاهة: معركة الدولة والمجتمع ضد الفساد

أ.د. بيتي السقرات/الجامعة الأردنية

تتجه بوصلة الشعب الأردني في مكافحة الفساد نحو هدف رئيسي واحد وثابت، يتمثل في تأسيس بيئة وطنية قائمة على النزاهة المطلقة، وسيادة القانون، وحماية مقدرات الدولة، بما يضمن العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

إن قراءة المشهد الأردني عبر عدسة التحليل المجتمعي والمؤسسي تكشف أن معركة الأردنيين ضد الفساد لا تقتصر على ملاحقة الفاسدين فحسب، بل تمتد لتكون ركيزة أساسية في مسارات التحديث الشامل.
فاهتمام الشعب الأردني بمكافحة الفساد يحتل صدارة الأولويات لدى المواطن الأردني، حيث يُنظر إليها بوصفها شرطاً أساسياً لا يقبل المساومة لتحقيق أي إصلاح سياسي حقيقي أو اقتصادي مستدام. وعند النظر إلى هذا الشعور الوطني، يُلاحظ أن البوصلة الشعبية ترفض الانحراف عن مسارها الحقيقي، وتتحرك مدفوعة بوعي جمعي يسعى إلى اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها.

وتستند الرؤية الملكية في مكافحة الفساد إلى التوجيهات الملكية السامية الحاسمة، التي تشكل خارطة طريق للجهود الرسمية والشعبية على حد سواء. وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، في مناسبات عدة، أن «محاربة الفساد واجب وطني مقدس، فلا حصانة لفاسد، ولا أحد فوق القانون»، مشدداً جلالته على أن كسر ظهر الفساد يشكل ركيزة أساسية لحماية مستقبل الأجيال وتحقيق التنمية المستدامة، مما يمنح الجهود الوطنية غطاءً سياسياً وقانونياً صلباً للمضي قدماً في اجتثاث هذه الآفة.

وتكمن خطورة المعركة الحالية في محاولات «حرف البوصلة» عبر ما يسمى بـ«الفساد الانطباعي» أو الإشاعات المغرضة. إن ملاحقة قضايا الفساد يجب أن تتم وفق معايير قانونية صارمة، بعيداً عن اغتيال الشخصية أو السعي وراء الشعبية الزائفة التي قد تؤدي إلى «ارتجاف يد المسؤول» وتردده في اتخاذ القرارات التنموية الجريئة. فالعدسة الشعبية الواعية تدرك تماماً الفرق بين النقد البنّاء والمحاسبة القانونية، وبين الصخب الذي يهدف إلى إثارة البلبلة وتعطيل مسيرة الإصلاح.
وترتكز استراتيجيات الدولة، مدعومة بالمطالب الشعبية، على محاربة الفساد من خلال الوقاية والاستباقية، عبر غرس قيم النزاهة في الفكر والسلوك الفردي والمؤسسي قبل وقوع الجريمة. كما تشمل إنفاذ القانون بحزم، وسد الثغرات التشريعية التي قد ينفذ منها الفاسدون، وتغليظ العقوبات على جرائم مثل الكسب غير المشروع والرشوة.

أما على الصعيد التقني، فإن الرقمنة والابتكار، من خلال إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في التدقيق والرقابة، وتوفير قنوات إبلاغ آمنة وسهلة للمواطنين، تسهم بصورة فاعلة في الحد من الفساد.
والأهم في منع الفساد هو الشراكة المجتمعية، وذلك عبر تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام الوطنية، والمبادرات الشبابية، بوصفها أدوات رقابية وتوعوية فاعلة تدعم مبادئ الشفافية والمساءلة، وتسهم في نشر ثقافة النزاهة
إن الغاية الأسمى للأردنيين، والهدف النهائي الذي تصبو إليه الدولة والشعب، يتمثلان في تحسين كفاءة استخدام الموارد العامة، ومنع هدر مقدرات الوطن، ورفع تصنيف الأردن في التقارير الدولية الخاصة بمكافحة الفساد. فالوصول إلى إدارة عامة شفافة، ونظام حماية وطني صلب، هو الضامن الحقيقي لبناء اقتصاد قوي ومجتمع تسوده العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.