في الأسبوع الثاني من أيار 2026، هزّت قضية جنائية صادمة للرأي العام الأردني من عمّان إلى أقاصي المهجر. شخص يُقدّم نفسه طبيباً، يملك حضوراً واسعاً في الإعلام الاجتماعي، وسبق أن أسّس مبادرات تحت غطاء العمل الخيري مثّل ثقة مزيّفة استُخدمت سلاحاً لاستدراج قاصرين والاعتداء عليهم. هذا المقال ليس عن الجاني؛ هو عنكم أيها الآباء، وعن أدوات الوقاية قبل فوات الأوان.
لا يبدو المعتدي على الأطفال في معظم الأحيان كما تصوّره أفلام الرعب. لا يظهر غريباً مجهولاً يتربص في الظلام. يظهر طبيباً ناجحاً، معلماً محبوباً، مدرّباً رياضياً يحظى بثقة الأهل، أو شخصاً مشهوراً على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل شارة التحقق الزرقاء. هذا ما يجعل قضية عمّان الأخيرة نموذجاً مؤلماً يستحق التوقف عنده طويلاً.
علم النفس الجنائي يُسمّي هذه الظاهرة "استغلال الثقة المؤسسية"، حيث يستثمر المعتدي رصيده الاجتماعي والمهني لبناء جدار من المصداقية يحول دون الشك في نواياه. الأخطر أن هذا الجدار يحمي الجاني أمام المجتمع قبل أن يحمي نفسه أمام القانون.
التشريح النفسي لعملية الاستدراجتمر عملية الاستدراج المنهجي للأطفال عادةً بمراحل متدرجة يعرفها المختصون بـدورة الإيقاع، وفهمها يُمكّن الوالدين من التعرف على الإشارات المبكرة:
يختار المعتدي ضحاياه بعناية: غالباً أطفال يعانون من حاجة للانتماء، أو ممن لا يحظوا بحوار مفتوح مع أهلهم، أو ذوي اهتمام بمجال يدّعي المعتدي التخصص فيه.
يقدّم المعتدي نفسه بصورة إيجابية أمام الأهل أولاً، يكسب ثقتهم بالهدايا والاهتمام والأنشطة المشتركة "الطبيعية"، مُبعداً أي شك مسبق.
يسعى إلى تقليص حضور الأهل تدريجياً: لقاءات منفردة، زيارات مهنية بحجة التدريب أو الفحص، مكالمات سرية، ومحادثات خاصة على التطبيقات.
يوهم الضحية بأن ما يجري طبيعي أو سري بيننا، ويستغل الخجل والخوف من عدم التصديق لإسكات الطفل وجعله يشعر بالذنب.
كشفت وقائع ما جرى في العاصمة عمّان في مايو 2026 عن أنماط متكررة تستحق التأمل من زاوية توعوية بحتة، مع التأكيد على أن الحكم النهائي يبقى للقضاء وحده:
الصادم في هذه القضية وغيرها من القضايا ليس فقط الجريمة ذاتها، بل هو اكتشاف أن الثقة العمياء كانت السلاح الذي وُجِّه ضد الضحايا. الأهل لم يكونوا مهملين، كانوا واثقين وهذا الفارق الدقيق هو بالضبط ما يجب أن يعيد الجميع النظر فيه.
سبعة إشارات تحذيرية يجب أن يعرفها كل أردنيعلّموا أبناءكم هذه الإشارات بصوت عالٍ، وتحدثوا عنها بلا خجل:
اللحظة التي يجمع فيها ابنك شجاعته ليُخبرك بما حدث هي لحظة فارقة في حياته. كيف تتعامل معها يحدد ما إذا كان سيثق بك للأبد أو يصمت للأبد.
استمع باهتمام دون مقاطعة. قل له: أنا مصدّقك، وأنا فخور بشجاعتك. أخبره صراحةً أنه لا ذنب له على الإطلاق. توجّه فوراً لإدارة حماية الأسرة والأحداث أو أقرب مركز شرطة.
لا تقل كيف سمحت لنفسك؟ أو لماذا لم تقل لي؟. لا تتهمه بالمبالغة ولا تطلب منه إثباتاً. لا تحاول أن تحل المشكلة وحدك بالتفاوض مع الجاني عائلياً.
📞 للتبليغ: اتصلوا بالرقم 110 (الأمن العام) أو توجّهوا لأقرب مركز شرطة مع طلب التواصل مع إدارة حماية الأسرة والأحداث.
الوقاية الحقيقية لا تبدأ من إدارة الحماية، بل تبدأ من غرفة الجلوس. الطفل الذي يعرف أن بيته مساحة آمنة لأي حديث مهما كان محرجاً هو الطفل الأكثر قدرة على الإفصاح في الوقت المناسب.
تحدّثوا مع أولادكم بلغة واضحة عن الجسد وحدوده منذ سنوات مبكرة. لا تتركوا هذا الحوار للمصادفة أو للمدرسة. الطفل الذي يعرف اسم أعضائه الجسدية الصحيحة، ويعلم أن جسده ملكه وحده، ويثق أن أهله سيصدّقونه هو الطفل الذي يصعب إيقاعه واستغلاله.
أيضاً، ومن زاوية عملية: تحقّقوا دائماً ممن يتعامل مع أبنائكم. الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي ليست وثيقة نزاهة. السمعة الطيبة لا تعني غياب الخطر. الثقة لا تُمنح مرة واحدة وإلى الأبد هي تُبنى ببطء ويُراجَع فيها باستمرار.
أسئلة شائعة يطرحها الآباءقضية عمّان الأخيرة ليست حادثة معزولة في تاريخ الجريمة الأردنية. هي مرآة تعكس ثغرة جماعية في منظومتنا التربوية: أننا علّمنا أبناءنا احترام السلطة، لكننا لم نعلّمهم ما الذي يُبطل هذا الاحترام وينتهكه. أننا بنينا ثقة بالمؤسسة والمكانة، لكننا لم نبنِ ثقة ابننا بنفسه ليقول "لا".
الجاني في مثل هذه الجرائم يستثمر في الصمت. وأفضل سلاح ضده هو طفل يعرف أن كلامه سيُسمع، وأهل بيعرفوا أن سؤالهم حق لا تدخل، وقانون يُطبَّق دون مجاملة لمكانة أو شهرة.
ابدأوا الحوار الليلة.