نبض البلد - بقلم : محمد نمر العوايشة
في لحظةٍ إقليميةٍ تتكاثر فيها الظلال الثقيلة، وتضجّ فيها خرائط المنطقة بالقلق والاضطراب، يقف الأردن على يقينٍ لا يتزعزع بأن أمنه ليس حدثًا عابرًا، بل قدرٌ يُصاغ كل يوم بسواعد رجالٍ اختاروا أن يكونوا في العتمة ليبقى الوطن في الضوء، هنا حيث لا تُروى الحكايات كاملة يولد المعنى الحقيقي للأمان، وتُكتب فصوله برجالٍ لا يعرفون المستحيل.
ليست يقظة الأجهزة الأمنية مجرد إجراءٍ احترازي، بل هي فلسفة حياة تُترجمها عيونٌ لا تنام، وعقولٌ تستبق الخطر قبل أن يتشكّل، وأيدٍ تمتد بثقة لتقتلع جذور الفتنة من قبل أن ترى النور، وحين تُحبط المؤامرات في مهدها لا يكون ذلك صدفةً ولا حظًا بل نتيجة حتمية لاحترافٍ متراكم وإخلاصٍ لا يقبل المساومة وإرادةٍ تعرف أن الوطن ليس مساحةً من الأرض بل كرامةٌ لا تُمس.
نشامى دائرة المخابرات العامة ليسوا مجرد حماةٍ للحدود، بل حرّاسٌ للمعنى وسدنةٌ للوعي وجدارٌ صلب في وجه كل فكرةٍ مظلمة تحاول التسلل إلى النسيج الوطني، هم أولئك الذين يتقنون لغة الصمت ويجيدون فعل الحضور حين يغيب الآخرون، يحملون أرواحهم على أكفّهم لا طلبًا لمجدٍ شخصي بل إيمانًا بأن الأردن يستحق أن يُصان بكل ما أوتوا من قوة.
ومن عمّان، قلب الأردن النابض، وأمّ الحكايات التي تعانق سماءها المجد طولا، إلى إربد عروس الشمال حيث يزهر الحب دفئًا، إلى عجلون خضراء الأردن وسنديانها الذي لا ينحني، إلى جرش مدينة التاريخ التي تنطق حجارتها بالعز، إلى المفرق بوابة البادية ووجه الأصالة الممتد، إلى البلقاء شموخ السلط وعبق رجالها، إلى الزرقاء مصنع الرجال ومدينة الجند والعسكر، إلى مأدبا مدينة الفسيفساء وذاكرة المكان، إلى الكرك قلعة المجد وموطن الكبرياء، إلى الطفيلة هدوء الجبال ودفء القلوب، إلى معان مهد الثورة وعنوان الوفاء، إلى العقبة عروس البحر ونافذة الأردن على العالم، تتوحد الجغرافيا الأردنية في نبضٍ واحد، وتذوب المسافات في معنى الانتماء، ليبقى الوطن قصة عشقٍ لا تنتهي، ورجالُه الحصن الذي لا يُكسر.
في هذا الإقليم المتقلّب حيث تتساقط دولٌ تحت وطأة الفوضى، يظل الأردن واقفًا لا لأن الأخطار أقل بل لأن العيون أكثر سهرًا والقلوب أكثر صدقًا والمؤسسات أكثر صلابة، وهنا تتجلّى الحقيقة التي لا تقبل التأويل أن هذا الوطن محروس برجاله مصون بإرادتهم وعصيّ على كل من يظن أن العبث بأمنه ممكن.
ليست كلمات الشكر كافية ولا عبارات الثناء تفيكم حقكم يا فرسان الحق، لكن ما يستقر في وجدان الأردنيين أعمق من القول، إنه إيمانٌ راسخ بأن هناك من يحمل عنهم عبء الخوف ليمنحهم نعمة الطمأنينة.
دمتم المخلصين، ودمتم ذلك الصعب الذي لا يلين، فبكم يبقى الأردن فكرةً عصيّة على الانكسار، ووطنًا يُكتب اسمه دومًا في سطر الثبات.