.نضال أنور المجالي

بين صراخ "اللايكات" وهيبة "الموقف": هل ضلّ بعض النواب الطريق؟

نبض البلد -
​بقلم: نضال أنور المجالي
​في أروقة البرلمانات، حيث يُفترض أن تُصاغ التشريعات وتُبنى السياسات بحكمة الرويّة واتزان العقل، بات المشهد يتكرر بصورة تبعث على الأسى؛ نائبٌ يحتقن وجهه غضباً، يضرب الطاولة بيد، ويمسك بهاتفه باليد الأخرى، ليس دفاعاً عن قضية كبرى أو انتصاراً لمظلمة وطنية، بل بحثاً عن "لقطة" تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، و"لايكات" تُبنى على أنقاض الهيبة المؤسسية.
​فن الصراخ.. تجارة رابحة أم إفلاس سياسي؟
​لقد تحول العمل النيابي عند البعض من "أمانة ومسؤولية" إلى مجرد "صناعة محتوى". إن هذا النمط من النواب الذين لا يرتفع صوتهم إلا بوجود الكاميرات، ولا تشتعل حماستهم إلا حين يتأكدون من زاوية التصوير، يرتكبون جناية بحق ناخبيهم وبحق الوطن. فالصراخ لم يكن يوماً دليلاً على قوة الحجة، بل هو في الغالب ستارٌ يغطي غياب البرنامج الحقيقي وعجزاً عن تقديم حلول عملية وقابلة للتطبيق.
​إن المتاجرة بمشاعر الجماهير و"جمع اللايكات" على حساب رصانة النقاش النيابي هو استخفاف بذكاء الشعب، وتحويل لقبة البرلمان من منبر للرقابة والتشريع إلى "مسرح ترندات" يفقد المؤسسة التشريعية وقارها وقيمتها الدستورية.
​المدرسة الهاشمية: دروس في أدب الحوار وعظمة الموقف
​وهنا نتساءل بمرارة: ألم تتعلموا من الهاشميين؟ إن مدرسة القيادة الهاشمية، عبر التاريخ، قدمت للعالم نموذجاً فريداً في "أدب الحوار" وعظمة الموقف دون ضجيج. الهاشميون، بمواقفهم الثابتة وحكمتهم المعهودة، علمونا أن القوة تكمن في الحجة البالغة، وفي الثبات على المبدأ، وفي التواضع عند المقدرة.
​الحكمة لا الصراخ: القيادة الهاشمية تخاطب العالم بلغة المنطق، وتبني الجسور بالدبلوماسية الراقية، وتنتزع الحقوق بالعمل الدؤوب والموقف الصلب، لا بالاستعراض أمام العدسات.
​عفة اللسان وسمو الهدف: لم تكن مدرسة الهاشميين يوماً مدرسة للديماغوجية أو دغدغة العواطف بالزيف، بل كانت دوماً مدرسة "الفعل الذي يسبق القول"، والحرص على كرامة المؤسسات وهيبة الدولة فوق كل اعتبار.
​النقاش البرلماني العالمي: أين نحن منه؟
​في دول العالم التي تحترم ديمقراطيتها وتاريخها، يُقاس نجاح النائب بما قدمه من تشريعات، وما عالجه من خلل إداري أو مالي عبر القنوات الدستورية، لا بعدد "المشاهدات" على فيديو مجتزأ من سياقه. إن العالم اليوم لا ينصت للصاخبين، بل يحترم أصحاب الرؤى الذين يمتلكون القدرة على التفاوض والإقناع وبناء التحالفات الوطنية خلف الأبواب المغلقة، لتثمر نتائجاً يلمسها المواطن في حياته اليومية.
​إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى نواب يدركون أن "الأمانة" أثقل من أن تُختصر في "ستوري" أو "تغريدة". إن العودة إلى نهج الحكمة، والاقتداء بالمدرسة الهاشمية في الرزانة والهدوء المسؤول، هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة الشعبية بالعمل البرلماني وصون هيبة الدولة.
​كفى صراخاً.. فقد سئمت الجدران ضجيجاً لا يُسمن ولا يغني من جوع، وحان الوقت ليعمل العقل وتصمت الكاميرات الجائعة.