دبلوماسية التوازن: كيف تعيد تحركات الملك عبد الله الثاني رسم المشهد الإقليمي؟

نبض البلد -

د. خالد العاص

تدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التحول، حيث لم تعد الحرب الجارية مجرد صراع تقليدي بين أطراف إقليمية ودولية، بل أصبحت عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط . وفي هذا السياق، تبرز تحركات جلالة الملك عبد الله الثاني باعتبارها جزءًا من مقاربة سياسية تدرك أن ما كان قائمًا من توازنات قبل الحرب لم يعد صالحًا للاستمرار، وأن مرحلة ما بعد الحرب ستُبنى على أسس جديدة بالكامل.

إن الزيارة إلى المملكة العربية السعودية والتنسيق مع قطر يعكسان إدراكًا أردنيًا بأن مراكز الثقل الإقليمي باتت تتحرك داخل بيئة مضطربة، تتداخل فيها الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مع صراعات النفوذ والاقتصاد والطاقة. وهذا التداخل جعل من إدارة العلاقات العربية البينية عنصرًا حاسمًا في تقليل خسائر المرحلة الانتقالية، ومنع انهيار منظومة الأمن الإقليمي.

في مرحلة ما قبل الحرب، كانت التوازنات تُدار عبر أدوات ردع مستقرة نسبيًا، وتحالفات واضحة المعالم. أما اليوم، فإن الإقليم يتجه نحو نموذج أكثر سيولة، حيث تتراجع القدرة على ضبط التصعيد، وتزداد احتمالات امتداد الصراع إلى ساحات جديدة. ضمن هذا السياق، يصبح التحرك الأردني جزءًا من محاولة واعية لـتثبيت نقاط استقرار في بيئة تتفكك فيها مراكز الضبط التقليدية.

اللقاءات التي جمعت جلالة الملك مع كل من محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وتميم بن حمد آل ثاني يمكن قراءتها كجزء من جهد لتشكيل حد أدنى من التنسيق العربي السياسي والأمني، لا يهدف إلى إنتاج تحالفات صلبة بقدر ما يسعى إلى منع الانقسام الحاد داخل الإقليم العربي في لحظة إعادة التشكيل. فغياب هذا التنسيق قد يفتح المجال أمام قوى خارجية لفرض وقائع جديدة على حساب الفاعلين الإقليميين.

في موازاة ذلك، يبرز البعد الفلسطيني كعامل مضاعف للتوتر، حيث يشكل ملف القدس أحد أكثر الملفات حساسية في ظل الحرب. ويأتي التحذير من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ليعكس إدراكًا بأن أي تفجير لهذا المسار قد يحول الحرب من صراع إقليمي محدود إلى مواجهة ذات طابع إقليمي- ديني واسع النطاق، يصعب احتواؤه ضمن الأدوات التقليدية.

أما اقتصاديًا، فإن الحرب الجارية لم تعد منفصلة عن بنية الطاقة العالمية، حيث أصبحت أسواق النفط وسلاسل الإمداد جزءًا من معادلة الصراع، ما يجعل الاستقرار الإقليمي عنصرًا مباشرًا في استقرار الاقتصاد العالمي. وهذا يفسر تصاعد أهمية الأدوار الوسيطة والدبلوماسية، وفي مقدمتها الدور الأردني القائم على إدارة التوازن لا الانخراط في الاستقطاب.

في المحصلة، لا يمكن قراءة تحركات جلالة الملك عبد الله الثاني خارج سياقها البنيوي الأوسع، المتمثل في لحظة انتقال إقليمي تتجه نحو إعادة تعريف مراكز القوة والتحالفات. فالأردن في هذا السياق لا يتحرك كفاعل تقليدي، بل كدولة تدرك أن وظيفتها الاستراتيجية تتمثل في تخفيف حدة التحول لا المشاركة في صناعته الصدامية.