لماذا لم تحقق القوة الجوية الحسم؟ قراءة في استراتيجية الصمود الإيرانية

نبض البلد -
تكشف مجريات الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أن القوة الجوية الكاسحة لم تحقق نصراً حاسماً يمكن البناء عليه لإعلان انتصار مقنع. استخدم وزير الحرب الأمريكي وقِبَل الرئيس الأمريكي مراتٍ كثيرة مصطلح Obliterated، ومعناه التدمير الكامل أو المحو دون أي أثر، للتعبير عن قوة الحملة الجوية على إيران. فوفق هذا المصطلح، يجب أن تكون جميع القدرات الإيرانية، والصواريخ، والمسيرات قد أصبحت في خبر كان. لكن واقع العمليات على الأرض يشير إلى غير ذلك، فالصواريخ ما زالت تتساقط في جميع الاتجاهات وتضرب بعنف. فحسب الإحصائيات الأخيرة، فقد تمكن 36 صاروخاً من اختراق الدفاعات الجوية ذات الطبقات المختلفة والمنتشرة في كل جغرافيا الشرق الأوسط والمجالات البحرية. وعلى الرغم من انخفاض وتيرة الصواريخ المتساقطة مقارنة ببداية الحرب، إلا أن ذلك لا يعني أن مخزون إيران قد ينفد قريباً، حيث تقوم إيران بالتنسيق مع حزب الله بين فينة وأخرى بهجمات كبيرة وبعدد صواريخ أكبر. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أخطأ الطرف المهاجم في تقدير قدرة إيران على الاستمرار في الرد؟
معظم التحليلات الأجنبية تفسر الصمود الإيراني بالتخطيط الاستراتيجي المبكر، وتوقع أسوأ السيناريوهات، وبناء الرد المناسب بناءً على دراسة طريقة عمل الخصم في المعارك السابقة، وقراءة جيدة لفكر الرئيس الأمريكي. وهذا لا يُعد بالضرورة مدحاً لإيران، إذ إن أخطاءها السابقة ساهمت في دفعها إلى مرحلة الصراع من أجل البقاء. لكن ما نشهده اليوم هو استراتيجية صمود مركبة تعمل على مستويين: عملياتي–تكتيكي، واستراتيجي.
المستوى العملياتي ينظر أولاً إلى كيفية توظيف الجغرافيا كأداة دفاعية. كيف يمكن إدامة المعركة دون الوقوع في فخ السيطرة الجوية ومحدودية الحركة؟ في هذا السياق، تُعد القدرة الاستثنائية للقوة الجوية لدى القوات المهاجمة نقطة قوة لها وتهديداً حتمياً للمدافع. كما أن حرمان القوات المهاجمة من الاستفادة من هذه الميزة من خلال الدفاعات الجوية غير ممكن، ودليل ذلك حرب الـ12 يوماً في السنة الماضية. ولحل معضلة التفوق الجوي للعدو بشكل عملي، تم استخدام الجغرافيا الإيرانية بشكل جيد، والمتمثلة باتساع رقعة الأراضي الإيرانية التي تمتد على مليون وسبعمائة ألف كم²، حيث تم استخدامها لتقليل الاستفادة من القوة الجوية للمهاجم في حسم المعركة، وعلى مبدأ: دع الأرض تقاتل معك وتدافع عنك.
العامل الثاني هو إدامة معركة الصواريخ والمسيرات بأي تكلفة، لأن هذه الإدامة تجعل إعلان النصر، وحتى تحقيق السيطرة الجوية من قبل القوات المهاجمة، أمراً غير ممكن. ويتمثل حل هذه المشكلة في توزيع القوة على الجغرافيا الإيرانية، وتفويض اتخاذ القرارات للمستويات الدنيا، وإخفاء مخزون الدولة من الصواريخ، وتفعيل عملية إدامة التصنيع لهذا السلاح الاستراتيجي. ولنجاح هذه المنظومة، استخدمت القوات الإيرانية استراتيجية الدفاع الفسيفسائي، ليصبح كل تشكيل قادراً على إطلاق الصواريخ والمسيرات بناءً على تقديره للموقف، وليس بناءً على انتظار الأوامر المركزية، خاصة في حال انقطاع منظومة الاتصال والسيطرة.
ثالثاً: الاعتماد على باطن الأرض أكثر من ظاهرها. ففي الحروب غير المتكافئة في القوة وميزان التفوق العسكري، يصبح باطن الأرض مسرح عمليات أساسياً. وقد أثبتت حرب غزة نجاح هذا المبدأ، حيث تم تقليل أثر التكنولوجيا وحرمان العدو من الاستخدام الأمثل لتفوقه التكنولوجي. استثمرت إيران كثيراً في أعماق الجبال، لعلمها أن منظومات الصواريخ ستكون هدفاً سهلاً في حال كانت على سطح الأرض، ومن هنا كان لا بد من تقليل زمن الإطلاق لتمكين الطواقم من الانسحاب إلى مناطق آمنة. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى اضطرار المهاجم لاستخدام قنابل كبيرة ووسائل لوجستية متقدمة، ما يزيد عليه الكلفة ويقلل من فعالية الضربات الجوية.
على المستوى الاستراتيجي، أدارت إيران معركتها باستخدام استراتيجية التصعيد الأفقي (Horizontal Escalation).
أولاً: من خلال توسيع رقعة المواجهة مع القوات الأمريكية والإسرائيلية، وتشتيت جهد الدفاعات الجوية المعادية، وتقليل نسبة اعتراض الصواريخ والمسيرات، حيث تمت مهاجمة الدول العربية الحليفة لواشنطن في المنطقة لزيادة الضغط على الحكومة الأمريكية ورفع الكلفة على الجميع.
ثانياً: الضغط الاقتصادي العالمي، من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ومهاجمة عدد من السفن التجارية، ووضع الاقتصاد العالمي وقطاع الطاقة، على وجه الخصوص، ضمن معادلة الردع الإيرانية.
ثالثاً: استخدمت إيران أيضاً أذرعها الخارجية بشكل تصاعدي ومتناسب مع ازدياد حدة المواجهة، مثل حزب الله وجماعات المقاومة الشيعية في العراق، كتصعيد مدروس لتوزيع الضغط وتشتيت جهد القوات الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا السياق، نلاحظ عدم دخول قوات أنصار الله (الحوثيين) في الحرب حتى الآن. والتحليل لموقف الحوثيين يدور حول ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: عدم دخول القوات الحوثية المعركة نهائياً، ويُفسَّر ذلك بأن ارتباطها بإيران أقل مقارنة بحزب الله وباقي الفصائل الشيعية، وأن تركيزها ينصب على الداخل اليمني وليس على مغامرات خارجية دفعت ثمنها غالياً في السابق.
السيناريو الثاني: مراقبة تطورات المعركة وانتظار الأوامر، حيث إن دخول الحوثيين مرتبط بتطور مجريات المعركة. فما دام أن إيران لم تتعرض لغزو بري، وما دامت تدير المعركة بشكل مقبول نسبياً، فإن استخدام ورقة الحوثيين في هذه المرحلة قد لا يكون ذا تأثير فعّال.
السيناريو الثالث: سيناريو التحول الكبير والحرب المفتوحة، حيث يرتبط دخول الحوثيين بدخول دول عربية وخليجية في الحرب ضد إيران، وخاصة السعودية ومصر. ففي حال قررت هاتان الدولتان الدخول في المواجهة، فإن الحوثيين سيدخلون بقوة، وسيعملون على إغلاق مضيق باب المندب، والتأثير على الملاحة وخطوط الإمداد البحرية، وكذلك مهاجمة السعودية من الجنوب، مما يؤدي إلى اشتعال الجبهة الجنوبية مرة أخرى. وبالنسبة لمصر والأردن، سيعمل الحوثيون على تعطيل الملاحة البحرية وقطع خطوط الإمداد.
في النهاية، فإن الفجوة بين خطاب "التدمير الكامل” والواقع الميداني تؤكد حقيقة استراتيجية مهمة: أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لتحقيق نصر حاسم أمام خصم مستعد، مرن، ولا مركزي. كما أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم على تحقيق نصر تقليدي، بل على منع الهزيمة، وإطالة أمد الصراع، ورفع كلفة الحسم إلى مستوى يجعل تحقيق النصر مكلفاً وغير قابل للتحمل سياسياً واستراتيجياً.
الدكتور عماد الحمادين
مركز الدراسات الاستراتيجية- الجامعة الاردنية