مثلث برمودا الطبي": حين يصبح المريض "شيكاً" مُصادقاً عليه!

نبض البلد -
 نضال انور المجالي
خاص الانباط.....
​في الزمن الجميل، كان الطبيب يضع سماعته على صدرك ويقول: "تنفس بعمق"، فتشعر بالراحة قبل أن يكتب الدواء. أما اليوم، فالدخول إلى بعض العيادات يشبه الدخول إلى "بورصة" مصغرة؛ حيث لا يسأل الطبيب عن موضع الألم بقدر ما يتفحص "ماركة" ساعتك أو نوع تأمينك الصحي، ليبدأ بعدها نسج خيوط "التحالف الثلاثي المقدّس": الطبيب، والمختبر، والصيدلية.
​عقيدة "افحص كل شيء.. لا تترك شيئاً"
​تبدأ الرحلة بـ "الروشتة التشخيصية" التي تشبه قائمة مشتريات عرس باذخ. يطلب منك الطبيب فحوصات مخبرية وأشعة سينية وطبقية، حتى يخيل إليك أنه ينوي التنقيب عن النفط في مرارتك! والشرط الوحيد؟ "اذهب إلى مختبر (س) حصراً، لأن أجهزتهم تعمل بالذكاء الاصطناعي العاطفي"، والحقيقة أن جهازهم الوحيد "الذكي" هو ذلك الذي يسجل رقم المريض ليرسل "العمولة" (Commission) إلى حساب المايسترو في نهاية الشهر.
​المختبر: مصيدة الدماء والجيوب
​في المختبر، تُسحب منك كميات من الدماء تكفي لإطعام مستعمرة "دراكولا" لجيل كامل. وعندما تصل إلى الصندوق لدفع الفاتورة، تكتشف أن ثمن "فحص فيتامين د" يعادل قسط سيارة حديثة. المريض هناك ليس "حالة طبية"، بل هو "فريسة" سمينة، والكل ينتظر نصيبه من الوليمة. فالمختبر يضمن تدفق الزبائن من العيادة، والطبيب يضمن رحلة استجمام صيفية مدفوعة التكاليف من أرباح هذه "الشراكة الاستراتيجية".
​الصيدلية: صالة عرض للماركات العالمية
​أما المشهد الختامي، فيكون في الصيدلية "المتفق عليها". الصيدلي هناك لا يكتفي بصرف الدواء، بل يمارس دور "مندوب المبيعات". إذا كان الدواء الأصلي بخمسة قروش، سيقنعك بأن النسخة التي كتبها الطبيب (ذات الغلاف الذهبي والمنشأ السويسري) هي الوحيدة التي ستجعل خلاياك ترقص فرحاً، وطبعاً سعرها يفوق الخيال. وهنا تكتمل الحلقة؛ فالصيدلي، والطبيب، وشركة الأدوية، يقيمون "حفل شواء" فاخر، والمواطن هو "الخروف" الذي يُشوى على نار الحاجة والمرض.
​المواطن: الفريسة التائهة
​يخرج المواطن من هذا "المثلث" وقد ثُقبت ذراعه بالحقن، وثُقب جيبه بالدفع، وثُقب وعيه بالخديعة. يعود لبيته وهو يحمل كيس أدوية يزن كيلوغرامات، وتحاليل تثبت أنه سليم جسدياً، لكنه "مفلس" مادياً.
لقد تحول شعار "الإنسانية أولاً" في بعض العيادات إلى "العمولة أولاً.. والمواطن على الله". الطب مهنة مقدسة، لكن حين تدخل "السمسرة" من الباب، تخرج الأخلاق من النافذة. نصيحة أخيرة للمريض: قبل أن تفتح فمك للطبيب، تأكد من إغلاق سحاب محفظتك جيداً!
حفظ الله الاردن والهاشمين