نبض البلد -
يزداد العصر ظلمة وتوحشا، ولا ينفك الواقع عن إظهار أنيابه ومخالبه في وجه الإنسان السوي، بل لا يخجل من تهديد البشرية، ولا نطرح هذا في معرض التهويل والمبالغة، بل هو الواقع الحق والحياة المعاشة سهلة التتبع والرصد.
لو قارنا سلوكنا مع الهواتف إليه قبل سنوات بسيطة لوجدنا جسامة ما نحن عليه، فمن زمن الهروب من التلفاز بوصفه رفاهية عالية وضياعا مركبا للوقت نجد أنفسنا ننغمس في الشاشة المضيئة بلا رادع، شبابا وشيابا، والطامة الكبرى في أطفالنا الذين انسحبوا من بيننا إلى عوالمهم الخاصة التي نعرف لها وجوها ويخفى علينا لها وجوه.
هذا العالم الرقمي المفتوح غير المراقب وغير المضبوط والمتروك لضمائر مشغلي التطبيقات -سيئي السمعة- واجب علينا كبح جماحه، فالطفل المتروك لشاشته معرض لملايين الوحوش البشرية بشكل حرفي، فهو في غرفة واحدة مع المجرمين والمتحرشين وضعاف النفوس الاستغلاليين، متروك ببراءته وضعفه بين عشرات المواقع المقدمة للمحتوى الإباحي المجاني، عداك عن مخاطر هذا العالم على العقل وسلامته وحفاظه على الانتباه في عصر التشتت وفرط الدوبامين، فكيف لنا ترك عقول الجيل للتعفن!
تنبهت دول العالم شيئا فشيئا، وتتواصل الحملة التشريعية العالمية لتقييد وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع تفاوت واضح بين قوانين نافذة ومشاريع قيد الإقرار؛ إذ تبقى أستراليا الدولة الوحيدة الرائدة التي تطبق حظرا قانونيا شاملا دخل حيّز التنفيذ في ديسمبر 2025 يمنع من هم دون 16 عاماً من إنشاء حسابات ويُلزم الشركات بالتحقق من العمر تحت طائلة غرامات كبيرة، بينما أقرّت فرنسا مشروع قانون لحظر الاستخدام لمن هم دون 15 عاما بانتظار استكمال المسار التشريعي النهائي.
في المقابل، أعلنت إسبانيا نيتها تقديم مشروع حظر لمن هم دون 16 عاماً، وتبحث التشيك فرض حظر دون 15 عاما، فيما وافق برلمان البرتغال على قيود تشترط موافقة الوالدين للفئة 13–16 عاما مع منع من هم دون 13 عاماً، دون اكتمال النفاذ النهائي، كما تشهد المملكة المتحدة ضغوطاً برلمانية لرفع سن الدخول إلى 16 عاماً دون صدور قانون حظر شامل، وتدور نقاشات مماثلة في الهند ومصر ضمن مراحل إعداد أو مشاورات.
هذه الحملة لا تأتي من فراغ ولا عبث، بل هي نتاج الدراسات وأوراق السياسات المكثفة حول هذا، فكل دولة تنظر إلى الأمام تفرض على نفسها حماية جيلها، بل وتخوض هذه الدول نزاعات مع مشغلي التطبيقات محاولي الهرب من الحظر سواء بالالتفاف عليه أو مهاجمته تحت بند الحفاظ على الحريات وحقوق الطفل وغيرها مما تعرف الدول عدم صحته نظرا لنفع القرار الأكبر.
ختاما، وليعتبر هذا توسلا ورجاء، فلننقذ الجيل، ولتتوقف حلقة التدهور وهذا في صلب عمل الدولة، وللحلول الإضافية فلا أرى مانعا ولا خطرا من إنشاء تطبيقات مخصصة للأطفال تهتم بمتواهم النافع، أو تفرض رقابة موسعة أجدى من هذا العبث!
يزن عيد الحراحشة.