السردية الوطنية الأردنية: بين الجذور التاريخية ومتطلبات الحاضر

نبض البلد -

د. خالد العاص

تشكل السردية الوطنية لأي دولة الإطار الذي تتشكل من خلاله هوية المجتمع، وتُبنى عليه رؤيته لذاته ولموقعه في العالم. وفي الحالة الأردنية، لم تكن السردية الوطنية مجرد رواية تاريخية للأحداث، بل هي حصيلة مسار طويل من التفاعل بين التاريخ والجغرافيا والسياسة، أسهم في صياغة نموذج خاص للدولة يقوم على الاستقرار والتوازن والاعتدال.

منذ تأسيس الدولة الأردنية، ارتبطت السردية الوطنية بفكرة بناء الدولة الحديثة في بيئة إقليمية معقدة. فقد واجه الأردن منذ نشأته تحديات تتعلق بندرة الموارد، وتقلبات الإقليم، وتدفقات اللجوء، ومع ذلك تمكن من ترسيخ مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرارها. هذه التجربة أصبحت جزءًا أساسيًا من الوعي الوطني، حيث تُقدَّم الدولة بوصفها نموذجًا للصمود والقدرة على التكيف مع الأزمات.

وتستند السردية الوطنية الأردنية كذلك إلى الإرث التاريخي الهاشمي، الذي يشكل أحد أهم مرتكزات الشرعية السياسية والرمزية. فالرواية الوطنية تربط بين الدور التاريخي للهاشميين في قيادة الثورة العربية الكبرى، وبين مشروع بناء الدولة الحديثة، وهو ما يمنح السردية بعدًا تاريخيًا يتجاوز حدود الدولة المعاصرة إلى فضاء عربي وإسلامي أوسع.

إلى جانب البعد التاريخي، تقوم السردية الوطنية على مفهوم الاعتدال السياسي والدور الإقليمي المتوازن. فقد سعى الأردن، عبر عقود، إلى تقديم نفسه بوصفه دولة تسعى إلى الحلول السياسية وتدعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما انعكس في سياساته الخارجية ومواقفه تجاه القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا الدور أصبح جزءًا من صورة الأردن في الداخل والخارج، وعنصرًا مهمًا في تشكيل الهوية السياسية للدولة.

غير أن السردية الوطنية ليست ثابتة أو جامدة، بل تتطور بتطور المجتمع وتحدياته. ففي السنوات الأخيرة، برزت قضايا جديدة فرضت نفسها على النقاش العام، مثل التحديث السياسي، والإصلاح الاقتصادي، وتعزيز المشاركة السياسية، والعدالة الاجتماعية. وهذه القضايا دفعت إلى إعادة قراءة بعض عناصر السردية الوطنية، بحيث لا تقتصر على الماضي والإنجازات، بل تشمل أيضًا تطلعات المستقبل ومتطلبات التنمية.

كما أن التحولات الإقليمية المتسارعة، وانتشار وسائل الإعلام الرقمية، أسهمت في توسيع مساحة النقاش حول الهوية الوطنية ومعانيها. فقد أصبح المواطن أكثر انخراطًا في النقاش العام، وأكثر قدرة على التعبير عن رؤيته لدور الدولة وأولوياتها، وهو ما يفرض على السردية الوطنية أن تكون أكثر شمولًا ومرونة، بحيث تستوعب التعددية الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع الأردني.

في المحصلة، يمكن القول إن السردية الوطنية الأردنية تقوم على مجموعة من الركائز الأساسية: الاستقرار، والشرعية التاريخية، والاعتدال السياسي، والقدرة على التكيف مع التحديات. غير أن الحفاظ على قوة هذه السردية يتطلب استمرار العمل على تطويرها بما ينسجم مع تطلعات الأجيال الجديدة، ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا قادرًا على مواكبة تحولات العصر دون أن يفقد جذوره التاريخية.