خفض الديون … والامتحان الأصعب للإدارة المحلية.

نبض البلد -
خفض الديون … والامتحان الأصعب للإدارة المحلية.

عماد عبدالقادر عمرو 

إنجاز مالي أم بداية إصلاح حقيقي في البلديات؟

لم يكن خفض مديونية البلديات في الأردن من 630 مليون دينار في عام 2024 إلى 285 مليون دينار في عام 2025 مجرد إجراء مالي تقني، بل نقطة تحوّل حقيقية في إدارة قطاع ظلّ لسنوات أحد أكثر مفاصل الدولة هشاشة واختلالًا. فالملف البلدي أصبح جزءًا أصيلًا من مسار إصلاحي وطني شامل، يهدف إلى إعادة بناء الإدارة المحلية على أسس الاستدامة والكفاءة والمساءلة، ضمن متابعة ملكية مباشرة لضمان التنفيذ المتوازن للإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي.

ويظهر من قراءة النتائج أن الجزء الأكبر من خفض المديونية، والمقدّر بنحو 345 مليون دينار، تحقق عبر قرارات حكومية شاملة، تضمنت إعفاء فوائد الديون، وتسوية متأخرات المقاولين، ومعالجة الالتزامات تجاه مؤسسات وطنية، إضافة إلى إعادة جدولة المديونية المتبقية على فترات طويلة وبفوائد منخفضة. هذه الإجراءات تؤكد أن الدولة كانت تدرك أن نموذج التمويل البلدي السابق لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن الإبقاء على الفوائد المرتفعة كان سيقود إلى شلل مؤسسي طويل الأمد.

في المقابل، سجّلت البلديات نفسها تحسنًا ملموسًا في الأداء، تمثل في ارتفاع الإيرادات المحلية من 76 مليون دينار إلى 109.9 مليون دينار خلال عام واحد، نتيجة تعزيز كفاءة التحصيل، وضبط الهدر، وتفعيل الأنظمة الإلكترونية المالية والإدارية. ورغم أن هذا التحسن أقل من مساهمة القرارات الحكومية، إلا أنه يشكل حجر الأساس لأي استدامة مالية مستقبلية ويؤكد أن نجاح العملية الإصلاحية يتطلب تفاعلًا حقيقيًا من البلديات نفسها.
وعلى صعيد الخدمات، انعكس هذا الاستقرار المالي في ارتفاع قيمة العطاءات المنفذة إلى 96.3 مليون دينار مقارنة بـ 74.6 مليون دينار في العام السابق، وتحسن مؤشرات النظافة والخدمات البيئية في عدد كبير من البلديات. وهو ما يوضح أن الإصلاح المالي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحسين جودة حياة المواطنين وتعزيز الثقة بالمؤسسات المحلية.

كما شهدت هذه المرحلة تحولًا نوعيًا في أدوات الرقابة، من خلال اعتماد تقييم قائم على الأداء الفعلي يشمل المتسوق الخفي، الزيارات الميدانية، وتقارير ديوان المحاسبة، وربط النتائج بمستوى تحصيل الإيرادات. ويأتي هذا التحول انسجامًا مع التوجيهات الملكية لترسيخ ثقافة المساءلة وتعزيز كفاءة الأداء.

وفي السياق ذاته، أُعيد تعريف دور بنك تنمية المدن والقرى ليصبح شريكًا استراتيجيًا، من خلال سياسة ائتمانية منضبطة، وربط التمويل بخطط إصلاح قابلة للتنفيذ، وضمان تدفقات نقدية مستقرة تعزز استدامة القطاع البلدي.

لا شك أن وزارة الإدارة المحلية، خلال الفترة الماضية، رصدت الكثير من الملاحظات الإدارية والفنية في جميع البلديات، للعمل على معالجتها في مراحل لاحقة. ويبقى التدريب والتأهيل المستمر للمجالس المنتخبة وللموظفين، وأتمتة جميع المعاملات المتعلقة بالخدمات البلدية، وتحديد الوصف الوظيفي لكل موقع، من أهم الأولويات التي تتماشى مع رؤية الإصلاح الشاملة، وتضمن استدامة الأداء وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن المهم التأكيد أن هذا المسار الإصلاحي لا يقلل من تجربة المجالس البلدية ومجالس المحافظات المنتخبة، إذ أثبتت العديد منها قدرتها على الإنجاز بكفاءة واحتراف رغم محدودية الموارد. بل إن ما يجري اليوم يهدف إلى توحيد المعايير، وضبط الأداء، وتهيئة بيئة مؤسسية مستقرة تمكّن أي مجلس منتخب قادم من العمل ضمن قواعد واضحة ومستدامة.

أما ما يتعلق بتأجيل الانتخابات البلدية، فهو جزء من مقاربة انتقالية تهدف إلى تثبيت الإصلاح المالي والإداري قبل العودة إلى الاستحقاق الديمقراطي، ضمن أطر زمنية واضحة، لضمان أن المشاركة الشعبية تظل ركيزة أساسية دون التأثير على استقرار الإدارة المحلية.

خلاصة القول إن ما تحقق في عام 2025 يمثل انتقالًا مدروسًا من معالجة الديون إلى إعادة بناء الإدارة المحلية في الأردن، ضمن مشروع دولة يقوده جلالة الملك، ويستند إلى إصلاح متوازن وشامل. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه النتائج إلى استدامة طويلة الأمد، توازن بين الانضباط المالي، وكفاءة الإدارة، وحق المواطن في المشاركة في صنع القرار المحلي، بوصف ذلك جوهر الدولة الحديثة التي ننشدها جميعاً .

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً