نبض البلد - جزارون في "كيان" الدم ... الحلقة ((( 16 )))
"حباد".. نموذج حي للارهاب والتطرف الصهيوني
80% من فعاليات الجيش تتم تحت إشرافها ما يعكس عمق تغلغلها بالمؤسسة العسكرية
نتنياهو يعتبر الحاخام شنيرسون "الاب الروحي" وتوجيهاته "نبوءة"
"هَتانيا" دستور "حباد": "غير اليهود مخلوقات شيطانية وخُلقوا من أجل خدمتهم"
شلينغر رمز للتطرف العابر للحدود وداعم رئيسي لحرب الإبادة بغزة والمستوطنين بالضفة
الانباط - عبد الرحمن ابوحاكمة
لم يكن مقتل الحاخام إيلي شلينغر خلال الهجوم الذي استهدف احتفالات ما يُعرف بعيد "الأنوار/الحانوكاه" اليهودي على شاطئ بونداي في مدينة سيدني الأسترالية، يوم الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، حادثة عابرة سقط فيها شخص ما فحسب، بل أعاد فتح ملف شائك يتعلق بحركة حباد الاستيطانية، ودورها الأيديولوجي والسياسي والعسكري في المشروع الصهيوني، خصوصاً في سياق حرب الإبادة على قطاع غزة.
وأثار مقتل شلينغر جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، بعد انكشاف سيرته كأحد أبرز مبعوثي "حباد" إلى أستراليا منذ عام 2008، ورئيس بعثتها في سيدني، إضافة إلى نشاطه العلني في دعم جيش الاحتلال خلال عدوانه على غزة، حيث زار الأراضي المحتلة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وظهر جالساً بين جنود الاحتلال على آلية عسكرية، مقدّماً لهم دعماً دينياً ومعنوياً باسم الحركة المنتشرة في عشرات الدول، والتي سبق أن تعرضت إلى هجمات عديدة.
الناشط والصحفي الإسرائيلي حانوخ داؤوم أشار، عبر حسابه على «إنستغرام»، إلى أن شلينغر كان يتفاخر بدعمه للجيش رغم الاتهامات الدولية الموثقة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، وكشفت تقارير أن شلينغر وجّه في وقت سابق رسالة إلى رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، احتجاجاً على توجه حكومته للاعتراف بالدولة الفلسطينية، دعا فيها صراحة إلى اعتبار فلسطين «أرضاً وهبها الله لليهود»، في خطاب إقصائي يشرعن نزع الأرض من سكانها الأصليين.
سلسلة اغتيالات وأسئلة مفتوحة
مقتل شلينغر لم يكن حادثاً معزولاً، إذ سبقه مقتل الحاخام زيفي كوغان، أحد أعضاء "حباد" بعد اختطافه في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وقبل ذلك بنحو ستة أشهر قُتل زئيف كيبار، أحد كبار رجال الأعمال المرتبطين بالحركة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي يؤديها قادة "حباد" وطبيعة هذه الحركة وأهدافها، والجهات التي تقف خلف أنشطتها العابرة للدول.
في هذا السياق، وصف الكاتب والباحث الأردني الدكتور وليد عبد الحي في مقال له بعنوان (استراليا والحاخام ايلي شلانغر) "حباد" بأنها منظمة دينية يهودية متطرفة، تتبنى فكرة أن فلسطين كاملة هي "أرض إسرائيل"، وتدعو صراحة إلى طرد سكانها العرب، معتبراً أن نشاطها لم يعد دينياً بحتاً، بل أيديولوجياً وسياسياً واستيطانياً.
منظمة متطرفة بغطاء استيطاني
تأسست "حاباد" في القرن الثامن عشر على يد الحاخام شنيور ملادي عام 1788، ولها جذور عميقة في التقاليد اليهودية، حيث تقدم خدمات متعددة لـ"اليهود" حول العالم، وتُعد حريدية حسيدية تتبنى خطاً أيديولوجياً متشدداً ضد الفلسطينيين والعرب، وتعتبر السيطرة على الضفة وغزة والجولان ضرورة أمنية، وخلال حرب غزة، نشطت الحركة في جمع التبرعات لجيش الاحتلال، ودعت علناً إلى إعادة الاستيطان في القطاع. وتشير مصادر عبرية إلى أن نحو 80% من الفعاليات الدينية داخل الجيش تُقام بإشراف "حباد"، ما يعكس عمق تغلغلها في المؤسسة العسكرية.
وتُعد «حباد–لوبافيتش» أكبر منظمة يهودية صهيونية في العالم، يتخذ مقرها الرسمي من بروكلين في نيويورك، ولها أكثر من 3500 مؤسسة في أكثر من 85 دولة، ونشأت في بيلاروسيا قبل أن تنتقل إلى أوروبا ثم الولايات المتحدة.
من فلسطين إلى سورية
لم يتوقف نشاط الحركة عند حدود فلسطين المحتلة، إذ أدى حاخامات من الحركة في كانون الأول/ديسمبر 2024 طقوساً تلمودية داخل قرية حضر السورية في المنطقة العازلة بالجولان المحتل، وأعلنوا إقامة أول "بيت حباد" داخل الأراضي السورية، في خطوة وُصفت بأنها سابقة خطيرة.
كما رفع جنود ينتمون للحركة لافتات لها فوق منازل فلسطينية في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، معلنين إقامة أول بيت لـ"حباد" في القطاع، في مشهد يختزل تداخل "الدين" بالاحتلال.
شنيرسون يحول "حباد" لشبكة دولية
مناحيم مندل شنيرسون، ويُعرَف بين أتباعه بـ"لوبافيتش ريبي" (ريبي تعني الحاخام)، هو حاخام يهودي أرثوذكسي روسي أميركي ومن الشخصيات البارزة في الحركة الحسيدية والزعيم السابع ل"حباد لوبافيتش"، وهو من استطاع تحويلها إلى شبكة دينية دولية.
وُلد شنيرسون يوم 18 أبريل/نيسان 1902 في نيكولايف جنوب أوكرانيا، وهو الحفيد الخامس للحاخام الثالث لـ"حباد لوبافيتش"، ووالده إسحاق شنيرسون كان كبير الحاخامات في دنيبروبتروفسك الأوكرانية، وأحد علماء التلمود وخبيرا في القبّالة (التصوف اليهودي)، درس التوراة مبكرا، وحينما وصل سن التكليف(13 سنة) اعتبر من النابغين في علم التلمود، حتى بات رأيه معتبرا بين الحاخامات الأكبر منه سنا، تزوج في ديسمبر/كانون الأول 1929 في العاصمة البولندية وارسو، من حايا موشيكا، الابنة الثانية لزعيم حباد، يوسف إسحق شنيرسون، الذي ورّثه رئاسة الحركة.
"هَتانيا": على اليهود الاستيطان بفلسطين
يؤمن شنيرسون بحق "إسرائيل" في ما يسميه "أرض الميعاد"، من وادي الأردن إلى البحر المتوسط، يرفض أي حوار مع الأديان الأخرى، ويراه أتباعه "الماشيح" (المسيح) المخلص، فقد رفض زيارة الكيان إلّا حين "الخلاص"، وأمر ببناء منزل له في "كفر حباد" قرب تل أبيب، وباتت جماعته تردد "نريد المسيح الآن"، وتضيف إليها كلمة "ممش" التي تشير إلى الأحرف الأولى من اسمه.
وحسبما ذكر في كتاب "هَتانيا" والمعروف باسم "دستور حباد"، فإن غير اليهود "الاغيار" "مخلوقات شيطانية ليس بداخلها أي شيء جيد على الإطلاق"، ووجودهم أمر عارض، فقد خُلقوا من أجل خدمة اليهود"، كما ينص أن "على اليهود الخروج من بلاد الأغيار المدنّسة، والاستيطان في أرض فلسطين المقدّسة"، شنيرسون أفتى بحرمة التّنازل عن شبر واحد من "أرض إسرائيل"، وتداولت وسائل إعلام عبرية شريط فيديو يظهر فيه مجموعة من أتباع "حباد" وهم يتلون سفر "هتانيا".
الاب الروحي لنتنياهو: احاديثه "نبوءة"
ويعتبره كثيرون "الأب الروحي" لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كرّس سنواته الأولى في استثمار علاقات أبيه وجدّه في الولايات المتحدة مع الطبقة السياسية، وعلاقات أقاربه التجارية مع أصحاب المال، وأقبل من جهة أخرى على دوائر شنيرسون، الذي كان قِبلة لقادة الكيان واللوبي الصهيوني، وكانت أول زيارة لنتنياهو للحاخام عام 1984 حين كان سفيرا للكيان في الأمم المتحدة، ويذكر حاخام مقرب من نتنياهو كيف أن شنيرسون أولى اهتماما خاصا به أثناء زيارته، وهو من شجعه على دخول عالم السياسة، وقبل عودة نتنياهو لـ الكيان بعث له شنيرسون رسالة يشجعه فيها على العودة إلى الأرض المقدسة، وفي زيارة له عام 1988 تحدث الحاخام إلى نتنياهو في عدة مواضيع، اعتبرها "نبوءة"، ومما قاله له "عليك أن تقاتل 119 عدوا لك.. ليس لديك ما تخشاه، لأن الجميع قد يكونون ضدك، ولكنك على جانب الله"، وعقب فترات طويلة من هذه الزيارات للحاخام، ردد نتنياهو "وصية ونبوءة الحاخام له" في قاعة الأمم المتحدة عام 2009، وقال له فيها "سوف تخدم في بيت من الظلام، ولكن تذكر أن أشد الأماكن ظلمة تُرى فيها الشمعة الواحدة بوضوح".
المستوطنون ينفذون أفكار "حباد"
و"حباد" حركة مقربة من اليمين الصهيوني، دعمت حملة نتنياهو عام 1996، ويعزى سبب إصرار نتنياهو على إبادة غزة إلى تمسكه "بنبوءة" أخبره بها شنيرسون، مفادها أنه هو من "سيسلم مفاتيح أرض الميعاد للمسيح"، مما حرضه على توسيع العدوان وإبادة سكانها، ومن المعروف ان مكالمة من شنيرسون كافية لتغيير سياسات الحكومة، منها مثلا عندما عطل محاولة زعيم المعارضة شمعون بيريز، أواخر مارس/آذار 1990 تشكيل أغلبية جديدة في الكنيست بعد وقت قصير من سقوط حكومة إسحاق شامير.
وتؤكد مصادر "اسرائيلية" ان حركة حباد تعد القوة الأكثر ديناميكية في الحياة اليهودية اليوم، وهي عبارة عن "فلسفة وحركة وتنظيم" في آن واحد، مشيرة الى ان المستوطنين يتبنون أفكار الحركات الصهيونية وينفذونها على الفلسطينيين فيها بزعم أن هؤلاء "مجرد خدم لليهود"، وهذا أحد أهم أسس "حباد" وفق ما نص عليه دستورها "هَتانيا".
في الختام فان مصرع الحاخام شلينغر وغيره من رجال هذه المنظمة العابرة للحدود، اعاد تسليط الضوء في العالم على "حاباد" وارهابها وتطرفها ودورها في تأجيج الصراع في المنطقة وعلى دعمها غير المحدود لحرب الابادة التي يشنها جيش الكيان على قطاع غزة والضفة الغربية، وسط مطالبات من منظمات انسانية وحقوقية عالمية بتصنيفها حركة إرهابية.