الاستدامة لم تعد خياراً أخلاقياً؟

نبض البلد -

بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
لسنوات طويلة، تعاملت مؤسسات كثيرة مع الاستدامة باعتبارها التزاماً أخلاقياً أو بيئياً؛ شيئاً جيداً تفعله الشركات عندما تسمح الميزانيات، أو نشاطاً يضاف إلى تقارير المسؤولية المجتمعية. لكن الاقتصاد العالمي يتغير بسرعة، ومعه تتغير هذه المعادلة: الاستدامة لم تعد تكلفة إضافية، بل أصبحت جزءاً من القدرة على المنافسة والبقاء.

فالمؤسسة التي تخفض استهلاك الطاقة والمياه والمواد الخام لا تحمي البيئة فحسب، بل تخفض تكاليفها التشغيلية. والشركة التي تعيد تصميم منتجاتها لتكون أكثر كفاءة وقابلية لإعادة الاستخدام لا تقلل النفايات فقط، بل تستعد لأسواق يتغير فيها سلوك المستهلك والتشريعات ومعايير الاستثمار. أما المؤسسة التي تبني سلسلة إمداد متنوعة ومرنة، فهي لا تمارس المسؤولية البيئية وحسب، وإنما تحمي أعمالها من الصدمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية.

هنا يتغير السؤال من: كم ستكلفنا الاستدامة؟ إلى: كم سيكلفنا عدم الاستدامة؟
وهذا التحول في السؤال جوهري. فتكلفة الجفاف وندرة المياه، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الموارد الطبيعية، لم تعد مخاطر بعيدة. إنها عوامل يمكن أن تؤثر مباشرة في الإنتاج والأسعار والاستثمار والوظائف وقدرة الاقتصادات على النمو
.
وبالنسبة إلى الأردن، تزداد أهمية هذا المنظور في ظل محدودية الموارد المائية والطاقة المستوردة والتحديات الاقتصادية. ولذلك فإن الاستثمار في كفاءة المياه والطاقة، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الدائري، والزراعة الذكية مناخياً، والابتكار الأخضر، لا ينبغي النظر إليه بوصفه عبئاً بيئياً جديداً، بل فرصة لتحسين الإنتاجية، وخفض التكاليف، وخلق وظائف وأسواق جديدة.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير ثقافة الإدارة نفسها؛ من مؤسسة تسأل كيف تمتثل لمتطلبات الاستدامة، إلى مؤسسة تسأل كيف تستخدم الاستدامة لتصبح أكثر كفاءة وابتكاراً ومرونة وقدرة على المنافسة.

فالاستدامة الحقيقية ليست أن ننفق أكثر من أجل البيئة، بل أن نتعلم كيف نصنع قيمة أكبر بموارد أقل، ونبني اقتصاداً يستطيع الصمود أمام الصدمات والتكيف مع المستقبل.

لهذا لم يعد السؤال: هل نستطيع تحمل تكلفة الاستدامة؟ بل: هل نستطيع تحمل تكلفة تجاهلها؟