نبض البلد - المطران عطا الله حنا
إن الجريمة الإرهابية المروّعة التي استهدفت كنيسة القديس جوارجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود، قضاء الكرك، إنما هي عمل إجرامي إرهابي بامتياز، يرفضه كل إنسان عاقل وحكيم، بغض النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي.
إنها المرة الأولى التي تُستهدف فيها كنيسة في الأردن، وكأن الهدف من ذلك المساس بسلام الأردن وأمنه واستقراره. ولكن جرائم مماثلة حدثت من خلال استهداف دور العبادة في سوريا والعراق ومصر وغيرها من الأماكن، لا سيما غزة، التي استُهدف فيها الإنسان ودور العبادة، ولم يبقَ فيها حجر على حجر. ولا يمكننا أن ننسى جريمة استهداف كنيستي القديس بورفيريوس والعائلة المقدسة. وأعتقد بأن من استهدف كنيسة حمود ومن استهدف كنائس غزة إنما هما وجهان لعملة واحدة، وإن تبدّلت وتغيّرت المسميات والأوصاف.
نقدّر عالياً موقف جلالة الملك الذي ذهب لتفقّد الجرحى والمصابين، كما زار مقدّماً التعزية بارتقاء شهداء الكنيسة. وهذا يدل على حكمته واحتضانه لأبناء شعبه، وسعيه من أجل الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الأردني الشقيق، بكافة مكوّناته.
إن دموع جلالة الملكة رانيا خلال زيارة التعزية، وكذلك زيارات المسؤولين والوفود من الأردن وخارجه، إنما تدل على حالة من الإجماع والرفض لهذه الجريمة المروّعة التي استهدفت الأبرياء من المصلّين في كنيستهم.
لقد توجّهت أيضاً وفود من فلسطين لتقديم واجب العزاء في بلدة حمود، ولكن هذه المأساة كان صداها حاضراً أيضاً في فلسطين، حيث رُفعت الصلوات في كافة الكنائس، لا سيما في كنيسة القيامة، كما صلّت الكنائس المسيحية في القدس، في دير الدومينيكان، ورفعت الصلوات من أجل تعزية العائلات المكلومة بفقد أبنائها، ومن أجل شفاء الجرحى والمصابين.
وفي مؤسسة وجود التابعة لجمعية حاملات الطيب الأرثوذكسية في باب الخليل بالقدس، عُقد اللقاء الوحدوي المسيحي الإسلامي المقدسي، المعبّر عن رفض المقدسيين جميعاً لهذه الجريمة، وعن تعازيهم ومواساتهم للأسر المكلومة، وتمنياتهم بالشفاء للجرحى.
إن الأصوات النشاز التي تحرّض على الكراهية والعنصرية لا تمثّل أمتنا العربية، ولا تمثّل ثقافة الشعب الأردني أو الشعب الفلسطيني، فثقافتنا هي ثقافة الوحدة الوطنية والتلاقي الإسلامي المسيحي.
في القدس، عندما كانت هناك اعتداءات تستهدف المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، كان الفلسطينيون والمقدسيون جميعاً، مسيحيين ومسلمين، يقفون في خندق واحد دفاعاً عن مقدساتهم. وعندما كانت تُستباح المقدسات المسيحية والأوقاف، كان المقدسيون جميعاً يقفون معاً وسوياً، رافضين استهداف الحضور المسيحي والأوقاف والمقدسات المسيحية.
إن ما حدث في بلدة حمود إنما يدق ناقوس الخطر، مع إدراكنا ومعرفتنا بأنه قد تم إلقاء القبض على الفاعلين. ولكن مظاهر العنف والكراهية والإرهاب لا يمكن مواجهتها ومعالجتها من منظور أمني فحسب، رغم أننا لا نقلّل من أهميته، بل نحن بحاجة، إضافة إلى المعالجة الأمنية، إلى معالجة تربوية وثقافية وإنسانية تبدأ من المنازل، ومن تربية الأبناء، وكذلك من دور العبادة والمؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية، بكافة مسمياتها وأوصافها.
إن خطاب الكراهية والعنصرية مرفوض، لأنه إذا لم يُعالج، فقد يتحوّل إلى فعل إرهابي وإلى قتل واستهداف للمدنيين. وعندما أتحدث عن خطاب العنصرية والكراهية، فإنني لا أتحدث عن فئة دون أخرى، بل أتحدث عن الجميع. فهذا الخطاب مرفوض ومنبوذ في كل الأديان، ويجب أن نسعى دائماً وأبداً إلى تكريس ثقافة القيم الإنسانية، باعتبارنا جميعاً ننتمي إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله.
أما في هذا المشرق، فيوحّدنا انتماؤنا المشرقي، وانتماؤنا العربي، وانتماؤنا إلى فلسطين وقضيتها العادلة وشعبها المظلوم.
إن الذين اعتدوا على كنيسة حمود، وقبلها على كثير من الكنائس ودور العبادة في هذه المنطقة العربية، إنما كان هدف الفاعلة ومن أرسلهم هو تقسيم مجتمعاتنا، وتفكيك المفكّك، وتجزئة المجزّأ، خدمةً للمشاريع الاستعمارية في منطقتنا، وخدمةً لأولئك الساعين إلى تصفية القضية الفلسطينية.
أقول إن فلسطين هي البوصلة، وإن هدف هذه الأعمال الإرهابية هو حرف البوصلة باتجاهات طائفية، وباتجاهات ليست في الوجهة السليمة والصحيحة.
يريدوننا أن نفكّر بعقلية الأقلية المستهدفة، ونحن لسنا أقلية.
يريدوننا أن نفكّر بعقلية الطائفة، في حين أن حضورنا المسيحي العريق ليس حضوراً طائفياً، بل هو حضور أصيل في هذه البقعة المقدسة من العالم، التي شهدت، قبل أكثر من ألفي عام، أهم الأحداث الخلاصية المرتبطة بالإيمان المسيحي.
يريدون للمسيحي أن يهاجر، وأن يخاف، وأن ينظر إلى أخيه الإنسان باعتباره عدواً له. ونؤكد أن الإرهابيين الذين أقدموا على فعلتهم في بلدة حمود وفي غيرها من الأماكن ليسوا أعداء للمسيحية فحسب، بل هم أعداء للإنسانية، وأعداء لدينهم الذي يحثّهم على الرحمة واحترام الآخر.
إن الوحدة الوطنية في هذا المشرق، وفي فلسطين والأردن، ليست شعاراً نتغنّى به، وليست مقولة نردّدها في الأوقات العصيبة فحسب، بل هي ثقافة يجب تكريسها، وخاصة في هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذا الكم الهائل من المؤامرات التي تستهدف مشرقنا وأمتنا وفلسطين بشكل خاص، وهي قضيتنا جميعاً وقضية كافة الأحرار في عالمنا.
نرفض خطاب الكراهية والعنصرية، ونرفض التحريض على الطائفية وكراهية الآخر، وندعو إلى مزيد من اللحمة والأخوة والتآخي بين مكوّنات مجتمعاتنا، لكي نكون أقوياء في دفاعنا عن أوطاننا وكنائسنا ومساجدنا وقدسنا وقضية فلسطين العادلة، ولكي نكون أقوياء في دفاعنا عن غزة التي تنزف دماً في كل يوم وفي كل حين.
من القدس، نبعث مجدداً بتعازينا القلبية إلى جلالة الملك، وإلى العائلات المكلومة بفقد أبنائها في بلدة حمود. كما نعزّي الأسرة الأردنية الواحدة، فقد أثبت الأردنيون مجدداً أنهم عائلة واحدة، وإن كانت هناك بعض الأصوات النشاز، و التي لا تمثّل ثقافة الشعب الأردني.
ومن هذه المدينة المقدسة، أقول إننا سنبقى دوماً دعاة سلام، ومدينتنا هي المدينة المقدسة في الديانات التوحيدية الثلاث.
سنبقى دعاة سلام يُبنى على العدالة والحرية وصون الكرامة الإنسانية.
الإنسان الفلسطيني المظلوم يستحق أن يعيش بكرامة وحرية في بلده.
نصلّي من أجل أهلنا في غزة، الذين يعيشون أوقاتاً أليمة وعصيبة، ونصلّي من أجل أهلنا في الضفة الغربية، الذين يعيشون وكأنهم في سجن كبير، فالخليل محاصرة، وما تتعرض له مدن وبلدات كثيرة في الضفة الغربية إنما هي جرائم بحق الإنسانية.
أما القدس فستبقى مدينة السلام، مهما حاولوا حجب السلام عنها، وستبقى قبلة للأحرار والمؤمنين في كل مكان، وستبقى العاصمة الروحية والوطنية لشعبنا المحروم من الوصول إليها.
نسألك يا رب أن ترأف بشعبنا وبإنساننا المظلوم في هذه الأرض، فأمام القساوة التي نعيشها، نلتمس رحمتك وحنانك، وأنت إله الرحمة والحنان.
سلام من كنيسة القيامة لأهلنا في الأردن، ولأهلنا في فلسطين، ولأهلنا في هذا المشرق، وفي العالم كله. سلام من أرض السلام، ومن مدينة السلام، لكل شعوب الأرض.
*رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس