د.حازم قشوع

الملك وافتتاح الدورة البرلمانية

نبض البلد -
د. حازم قشوع

بلباسه الملكي الهاشمي الأصيل، وبمرافقة الموكب الأحمر العريق، يتقدم الملك عبدالله الثاني لافتتاح الدورة البرلمانية، في مشهد دستوري وتاريخي تتجدد فيه صلة العرش بمؤسسات الدولة، وتستعيد فيه الحياة السياسية الأردنية رمزية امتدادها منذ المجلس التأسيسي وانعقاد المجلس التشريعي الأول عام 1928، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال
 عام 1946 وما تلاها من استكمال بناء المؤسسات الدستورية. وهي مراسم لا تختصرها دلالات البروتوكول، بل تحمل في مضمونها صورة استمرارية الدولة الأردنية فى نهجها النيابي الملكي حيث نتلازم رمزية العرش مع مضمون المسيرة الوطنية.

وفي الثاني من تشرين الثاني، ينتظر أن يقف الملك عبدالله الثاني تحت قبة مجلس الأمة، مخاطباً الأمة والعالم، ومجدداً التأكيد على الثوابت الوطنية والمواقف الأردنية، وبيان اتجاهات الدولة في مرحلة تتسارع فيها التحولات الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها حسابات الأمن والنفوذ والطاقة ومستقبل القضية الفلسطينية. لذلك فإن خطاب العرش لا يأتي بوصفه استحقاقاً دستورياً سنوياً فحسب، وإنما باعتباره محطة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، ورسم الخطوط العامة لمسارات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

غير أن أهمية هذه المناسبة هذا العام تتجاوز قراءة المشهد السياسي التقليدي، فهي تأتي في أعقاب أحداث الكرك والاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة حمود، وما حملته 
هذه الجريمة من اعتداء على الإنسان وحرمة دور العبادة، وما استدعته من وقفة وطنية جامعة أعادت التأكيد على حقيقة النسيج الأردني المتآخي. فقد كان تشييع الشهداء، ومشاركة الأردنيين من مختلف المنابت والأصول في مواساة ذويهم، وقيام بيوت العزاء الجامعة، مشهداً وطنياً تجاوز حدود الجغرافيا والمكونات، ليؤكد أن المصاب واحد، وأن الدم الأردني لا يتجزأ، وأن استهداف أي مكون من مكونات المجتمع هو استهداف للوطن بأسره.

لقد أعادت الكرك، بما تمثله من تاريخ وطني ومكانة في الوجدان الأردني، إبراز حقيقة أن المنعة لا تصنعها المؤسسات الأمنية وحدها، على أهميتها، وإنما يصنعها أيضاً تماسك المجتمع، والتآخي بين أبنائه، واحترام التنوع الديني والاجتماعي، والوقوف المشترك في مواجهة التطرف وخطاب الكراهية. فالأردن أسرة واحدة، يجمعها تاريخ مشترك ومصير واحد، ويشكل الهلال والصليب في فضائها الوطني عنواناً للعيش المشترك وحماية الموروث الإنساني، لا مجرد صورة للتعدد الاجتماعي.

وعلى هذه الأرضية، تتجلى قيمة العرش باعتباره عقدة المسبحة الوطنية التي تنتظم حولها مكونات المجتمع، وركيزة دستورية جامعة للوحدة والاستقرار. فالالتفاف حول الملك والمؤسسات الدستورية لا يلغي التعدد، بل يوفر له مظلة وطنية تحميه، ولا ينتقص من خصوصية المكونات، بل يجعلها جزءاً من هوية أردنية جامعة. ومن هنا فإن التآخي الوطني ليس موقفاً عاطفياً عابراً تفرضه الأحداث، وإنما قاعدة استراتيجية لبناء درجة أعلى من منعة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، وحماية الدولة من محاولات الاختراق والتفكيك وإثارة الانقسام.

وتأتي هذه المعادلة الداخلية متصلة بموقع الأردن في منظومة أمن المشرق العربي، حيث لا يمكن فصل أمن المملكة عن أمن السعودية والخليج العربي، أو عن استقرار سوريا ولبنان، ومستقبل فلسطين والقدس. فالأردن لم يعد يقرأ أمنه من زاوية الحدود الجغرافية وحدها، بل ضمن معادلة أوسع تتصل بالنفوذ والتوازنات الإقليمية، وبالدور الذي يضطلع به الجيش العربي في حماية السيادة وصون الاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. وهذا التحول يفرض الانتقال من إدارة المخاطر الحدودية إلى قراءة خرائط النفوذ ومصادر التهديد، ضمن رؤية عربية تحافظ على سيادة الدول ومقدرات شعوبها، وتحول دون إعادة تشكيل المنطقة على حساب أمنها واستقرارها.

وفي قلب هذه المعادلة تبقى فلسطين والقدس عنواناً مركزياً للموقف الأردني، ليس باعتبارهما قضية تضامن سياسي فحسب، بل لارتباطهما المباشر بالأمن الإقليمي وبمسؤولية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. فالقدس بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية، وما تحمله من موروث إنساني، تظل بوصلة الموقف الأردني، فيما تبقى حماية الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة شرطاً أساسياً لتحقيق السلام العادل والدائم. كما أن مواجهة الإرهاب والتطرف والتدخلات التي تستهدف أمن المنطقة تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً يحترم سيادة الدول، وينهي الاحتلال، ويحد من القرارات الأحادية، ويفتح الطريق أمام التنمية المستدامة.

أما على الصعيد الداخلي، فإن افتتاح مجلس الأمة يضع السلطتين التشريعية والتنفيذية أمام مسؤولية ترجمة التوجيهات الملكية إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس. وتبرز
 أمام الدورة البرلمانية المقبلة ثلاثة مسارات مترابطة؛ أولها استكمال المنظومة التشريعية الناظمة للحياة الديمقراطية، وتطوير الممارسة النيابية بما يعزز المشاركة السياسية والثقة بالمؤسسات. وثانيها مراجعة التشريعات الاقتصادية وتوفير بيئة تحفيزية للاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وخلق فرص العمل. أما الثالث، فيتصل بالأمان المعيشي والاجتماعي، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المواطنين.

وهذه المسارات لا تنفصل عن بعضها فالتحديث السياسي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية منتجة، والنمو الاقتصادي لا يكتمل دون انعكاسه على حياة الناس، فيما تبقى المواطنة الفاعلة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من أهم ضمانات التماسك الوطني. ومن هنا فإن مسؤولية مجلس الأمة لا تقتصر على الاستماع إلى خطاب العرش والرد عليه، وإنما تمتد إلى 
متابعة الأولويات الوطنية، ومراقبة الأداء الحكومي، وتطوير التشريعات، وتوسيع مساحة المشاركة، بما يجعل المؤسسة التشريعية شريكاً في صناعة الإنجاز الوطني.

إن وقفة الملك عبدالله الثاني تحت قبة مجلس الأمة هذا
 العام تحمل دلالة تتجاوز افتتاح دورة برلمانية جديدة؛ فهي تلتقي مع ما أظهرته الكرك من تماسك المجتمع، ومع ما تفرضه تحولات المشرق من ضرورة تعزيز منعة الدولة والجبهة الداخلية. فالدولة لا تستمد قوتها من مؤسساتها الرسمية وحدها، ولا من قدرتها الأمنية فحسب، وإنما من وحدة مجتمعها وثقته بمؤسساته والتفافه حول مرجعيته الدستورية الجامعة.

وهنا تبرز معادلة الأردن التي تقوم على تلازم العرش والوطن والمواطنة، حيث يشكل العرش ركيزة الوحدة، وتشكل المواطنة أساس المشاركة، ويشكل التآخي الوطني سياج المنعة، فيما تتكامل مؤسسات الدولة في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل. فالأردن الذي حافظ على توازنه وسط عواصف المشرق، يواصل دوره دولةً وازنةً وصمام أمان إقليمياً، مستنداً إلى تماسك جبهته الداخلية ووضوح موقفه العربي وقدرته 
على الجمع بين الحكمة السياسية ومتطلبات التحديث.

إنها رسالة الأردن التي تتجدد من تحت قبة مجلس الأمة 
رسالة دولة لا تفصل بين أمنها ووحدة مجتمعها، ولا بين شرعية مؤسساتها وحقوق مواطنيها، ولا بين استقرارها ومسؤوليتها العربية والإنسانية. ومن الكرك إلى قبة البرلمان، تتأكد حقيقة أن قوة الأردن في أسرته الواحدة، وأن العرش يظل عقدة المسبحة الوطنية وركيزة وحدتها، وأن منعة الدولة تبدأ من منعة مجتمعها، وتترسخ حين تتحول المواطنة والتآخي إلى ممارسة وطنية يومية، والولاء للوطن إلى عمل وإنجاز ومسؤولية مشتركة تلك هى المراسم والموضوعات التى تجعل خطاب العرش فى افتتاح الدوره البرلمانيه انجازا وطنيا وعيدا نيابيا لاعلاء قيم المواطنه والمنهجيات المدنيه وحياة التعدديه الديموقراطية فى يوم افتتاح الدورة البرلمانية .