نبض البلد - حزب الخضر البريطاني ومستقبل فلسطين
د. أيوب أبو دية
عندما تتحرك الأحزاب البيئية باتجاه تصويب أوضاع البيئة الانسانية أيضا، يتضح تكامل مشروعها بين الانسان والطبيعة. لقد شكّل قرار حزب الخضر البريطاني الاعتراف بالكيان دولة فصل عنصري محطة مهمة في تصاعد النقاش الدولي حول حقوق الفلسطينيين، والسياسات الإسرائيلية، ومسؤولية الحكومات الغربية. وكان الحزب قد تبنى هذا الموقف في مؤتمره في أيلول 2024، مندداً بما وصفه بالفصل العنصري والإبادة الجماعية، وداعياً إلى فرض العقوبات وحظر تصدير الأسلحة. وفي تشرين الأول 2026، ذهب أبعد من ذلك، بإقرار سياسة مثيرة للجدل مناهضة للصهيونية، تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على امتداد فلسطين التاريخية، وتؤكد حق الفلسطينيين في الحرية والعودة، ودعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وحظر الأسلحة.
تثير هذه التطورات سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع تيار سياسي يتحدى سوء معاملة الفلسطينيين أن يسهم في تغيير السياسات البريطانية والدولية، أم أن مواقفه ستعمق الانقسامات من دون تحقيق تغيير ملموس على الأرض؟
نشأ مصطلح الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث حرمت الأغلبية من حقوق سياسية ومدنية أساسية بفعل نظام التمييز العرقي. ولا يُعدّ استخدام المصطلح في وصف الأوضاع الفلسطينية مجرد شعار سياسي، بل يرتبط أيضاً بمسألة قانونية تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
وثّقت منظمات حقوقية قيوداً واسعة على حركة الفلسطينيين، واختلافاً في الأنظمة القانونية المطبقة في الضفة الغربية المحتلة، ومصادرة الأراضي وتوسع المستوطنات الإسرائيلية وعربدة المستوطنين. وقد عززت هذه الممارسات الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية والمطالبات بالمحاسبة.
ولا يعني وصف نظام ما بالفصل العنصري تحميل كل مواطن إسرائيلي المسؤولية الشخصية عن سياسات حكومته، كما لا يبرر العداء لليهود جميعا. بل يعني إخضاع المؤسسات والممارسات لمعايير حقوق الإنسان والمساواة. ومع ذلك، فإن اعتبار الصهيونية بأكملها شكلاً من أشكال العنصرية يثير جدلاً إضافياً، لأن الصهيونية تضم تيارات وتصورات مختلفة بشأن تقرير المصير اليهودي.
وقد تعزز هذه المواقف شعبية حزب الخضر بين الناخبين الذين يرون أن الأحزاب الكبرى لم تستجب بما يكفي لمعاناة الفلسطينيين، ولا سيما في ظل الدمار في غزة والاحتلال والأزمة الإنسانية. كما أن الدعوة إلى حظر الأسلحة، ودعم المقاطعة، وتطبيق القانون الدولي، تقدم بديلاً أكثر وضوحاً للسياسات القائمة.
لكن الحزب يواجه مخاطر سياسية أيضاً. فقد دعا حزب العمال أعضاء مجالس محلية من الخضر يشاركون في ائتلافات معه إلى رفض السياسة الجديدة المناهضة للصهيونية، ما يهدد التعاون بين الحزبين. كذلك كشفت القضية انقسامات داخل حزب الخضر نفسه، إذ عارض أربعة من نوابه الخمسة القرار.
وتكمن أهمية ذلك في أن الحزب السياسي لا يستطيع الاكتفاء بالتعبير عن الغضب الأخلاقي، بل عليه تحويل مبادئه إلى سياسات قابلة للتطبيق وقادرة على كسب التأييد والتأثير في التشريعات. وإذا ارتبطت صورته حصراً بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد يتراجع الاهتمام ببرنامجه البيئي والاقتصادي والاجتماعي. أما إذا ربط تحرير فلسطين بحقوق الإنسان ومناهضة العنصرية والتطبيق المتساوي للقانون الدولي، فقد يسهم في تغيير اتجاه النقاش الوطني.
لن تغير قرارات الحزب وحدها السياسة الخارجية البريطانية، لكن الضغط الشعبي المتواصل قد يؤثر في قرارات تصدير الأسلحة والعلاقات الدبلوماسية والسياسة التجارية ومواقف بريطانيا في المؤسسات الدولية.
تتحمل بريطانيا مسؤولية تاريخية خاصة تجاه فلسطين؛ فقد أسهم وعد بلفور عام 1917 والانتداب البريطاني اللاحق في تشكيل الظروف السياسية التي تطور فيها الصراع لصالح الصهيونية. ويعزز هذا التاريخ المطالبة بأن تؤدي بريطانيا دوراً فاعلاً في تحقيق تسوية عادلة ودائمة، بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة.
وقد تشجع مواقف حزب الخضر حركات سياسية أوروبية ودولية أخرى على تحدي التناقض بين الخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان والممارسات الفعلية تجاه إسرائيل، وتعزز الدعوات إلى تقييد تصدير الأسلحة وفرض عقوبات محددة على المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة، ودعم دور المحاكم الدولية.
لكن نجاح هذه الحركة يتطلب مبادئ واضحة ومتسقة: رفض معاداة السامية والإسلاموفوبيا وجميع أشكال التمييز العنصري، ورفض استهداف المدنيين، وضمان المساواة أمام القانون الدولي.
إن الاعتراف الدولي بالفصل العنصري قد يشكل خطوة مهمة، لكنه لن ينهي الاحتلال وحده، ولن يعيد بناء المنازل المدمرة، أو يضمن الحرية السياسية للفلسطينيين، لذا تشمل الأولويات العاجلة حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، والإفراج عن الرهائن والمحتجزين بصورة غير قانونية وفقاً للقانون الواجب التطبيق، ووقف التوسع الاستيطاني غير القانوني، وضمان المساءلة عن الانتهاكات. كما ينبغي لبريطانيا مراجعة صادراتها من الأسلحة وفق التزاماتها القانونية، واستخدام نفوذها الدبلوماسي لتحقيق هذه الأهداف.
أما على المدى الطويل، فيتمحور السؤال حول مستقبل الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. فسياسة حزب الخضر تدعو إلى دولة ديمقراطية واحدة تضمن المساواة للجميع وحق العودة للاجئين الفلسطينيين وذريتهم. ويتحدى هذا الطرح نموذج الدولتين، لكنه يثير أسئلة صعبة تتعلق بالأمن والمواطنة والتمثيل السياسي وحماية الهويات الجماعية.
يمكن لدولة واحدة أن تحقق المساواة نظرياً، شريطة مشاركة الشعبين بحرية في مؤسساتها وعيشهِما من دون هيمنة أو تمييز.
ولا ينبغي فرض أي من النموذجين من دون مراعاة حقوق الشعبين وتطلعاتهما. فالهدف ليس استبدال هيمنة بأخرى، بل إنهاء الهيمنة نفسها.
وهكذا يعكس اعتراف حزب الخضر بالفصل العنصري الإسرائيلي تحدياً متنامياً للاعتقاد بأن الحكومات الغربية تستطيع الدفاع عن حقوق الإنسان بصورة انتقائية. وقد جعل قراره الأخير المناهض للصهيونية هذا التحدي أكثر إثارة للجدل، كاشفاً التوتر بين المطالبة بتحرير فلسطين وضرورة حماية حق اليهود في تقرير المصير والأمن.