نبض البلد - البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في تاريخ الدول لحظات تُحسم فيها المصائر بسؤال لا يطرحه أحد. الدول التي تسأل "كم سننمو؟" تنتظر الريح، والدول التي تسأل "ما الذي سنصبح عليه؟" تبني الشراع. والأردن، الصغير في موارده والكبير في قيادته وموقعه وإنسانه، امامه فرصة نادرة ليكون من الصنف الثاني، لكن عليه أن يغيّر ترتيب أسئلته قبل أن يغيّر أرقامه.
ربما أخطأنا طويلًا حين جعلنا السؤال الاقتصادي يبدأ من النمو: كم نما الاقتصاد؟ وكم استقطبنا من استثمارات؟ وكم مشروعًا أنجزنا؟ وكم وظيفة استحدثنا؟ كلها أسئلة مهمة، لكنها تأتي متأخرة. فالنمو ليس استراتيجية، بل نتيجة لها. وقد بيّن ريكاردو هاوسمان وسيزار هيدالغو، في أبحاثهما عن التعقيد الاقتصادي، أن ثروة الأمم تتبع حجم المعرفة المتراكمة في منتجاتها لا حجم مواردها، فنيجيريا تملك من النفط أكثر مما تملك سويسرا من الطبيعة الجبلية الخلابة، وسويسرا أغنى بما لا يُقاس. المعرفة، لا الأرض، هي التي تصنع الفارق.
والعالم اليوم ينتقل من اقتصاد الحجم إلى اقتصاد القيمة، ومن التنافس على الموارد إلى التنافس على القدرة على تحويلها إلى معرفة ومنتجات وشبكات. ولم تعد الدولة الصغيرة محكومة بأن يبقى اقتصادها صغيرًا؛ فقد تصبح عقدة في شبكة، أو مركزًا للمعرفة، أو منتجًا لحلول نادرة، أو منصة لخدمات عابرة للحدود. ومن هنا يحتاج الأردن إلى عشرة أسئلة مختلفة، لا تبحث عن القطاعات التي يمكن أن تنمو فحسب، بل عن الموقع الذي يستطيع أن يصنعه لنفسه في عالم تتغير فيه قيمة الموارد والجغرافيا والعمل والمعرفة.
يبدأ السؤال الأول من هنا: ما الشيء الذي يستطيع الأردن أن يصبح الأفضل معرفةً فيه؟ ليس المطلوب المنافسة في كل شيء، بل اختيار عدد محدود من المجالات، كالطاقة والتعليم والصحة والصناعات الدوائية والأمن السيبراني والبرمجيات والهندسة واللوجستيات، وبناء عمق معرفي فيها يجعل الأردني يقول بثقة: هذه مشكلة نعرفها أكثر من غيرنا، وهذا حل طورناه، وهذه شركة تنتجه، وهذه جامعة تطوره، وهذه أسواق تصدّره. وقد أدرك مايكل بورتر أن الأمم تتفوق حين تتكتل الشركات والجامعات والموردون والمنافسون في مكان واحد، فتتغذى المعرفة من الاحتكاك والمنافسة. وهذا ما نسميه منظومة لا قطاعًا.
وإذا كانت المعرفة هي الأصل، فالمرجعية هي الثمرة. وهنا السؤال الثاني: ما القطاع الذي يجعل العالم العربي يحتاج إلى خبرة الأردن؟ الاستثمار يخلق نشاطًا، أما المرجعية فتخلق نفوذًا. حين يقصد الطبيب العربي عمّان ليتدرب، والمريض ليتعالج، والحكومة العربية لتستشير في رقمنة خدماتها، والشركة لتؤمّن أنظمتها، يتحول الأردن من سوق صغيرة إلى مركز خدمة لسوق أكبر من حدوده. وتلك قاعدة الاقتصاد الجديد: لا حاجة إلى ملايين السكان، بل إلى الإنسان المناسب والمعرفة المناسبة والقدرة على الوصول. ومحدودية السوق المحلي، إذا أحسنّا قراءتها، ليست قيدًا بل دافعًا، فالشركة الأردنية تولد وهي تفكر في المنطقة والعالم، لأن الداخل لا يتسع لطموحها.
ثم يأتي السؤال الثالث الذي يقلب المنطق التقليدي: ما المشكلة التي نعاني منها اليوم ويمكن أن تصبح صناعة تصديرية غدًا؟ لقد رأى جوزيف شومبيتر أن الاقتصادات تتجدد حين يحوّل رواد الأعمال الأزمات إلى فرص، وهذا ما نحتاجه. فشح المياه مختبر لتقنيات الإدارة والتحلية والكفاءة، وكلفة الطاقة مدرسة للتخزين والطاقة المتجددة، والضغط على البنية التحتية حافز لحلول المدن الذكية، وتحديات التعليم بذرة لصناعة التقنيات التعليمية. والدولة التي تعلّمت العيش بقليل من الماء تملك ما لا تملكه دولة وفيرة المياه: خبرة الندرة. وهذا هو الانتقال من اقتصاد إدارة الندرة إلى اقتصاد تصدير الحلول، حيث تتحول كلفة التعلم إلى قيمة قابلة للبيع.
وهنا يتضح أن أثمن ما يمكن تصديره هو المعرفة نفسها، فنصل إلى السؤال الرابع: ما المعرفة التي يمكن أن تصبح منتجًا أردنيًا؟ كانت التجارة تحتاج إلى شاحنة وحاوية، أما اليوم فبرمجية تُباع من عمّان إلى دولة من العالم، واستشارة هندسية تعبر القارات بلا ميناء. وقد سبق بيتر دراكر فرأى أن العامل المعرفي سيكون الأصل الأثمن في الاقتصاد الحديث. وبهذا يُعاد تعريف التعليم: فالجامعة الناجحة ليست تلك التي تمنح الشهادات، بل التي تُخرّج أكبر عدد من الحلول والشركات وبراءات الاختراع. وقد ذهب بول رومر، صاحب نظرية النمو الداخلي، إلى أن الأفكار تختلف عن السلع: لا تنفد بالاستعمال، وتتضاعف قيمتها كلما انتشرت. والأمة التي تنتج الأفكار تمتلك مصنعًا لا يتوقف.
لكن المعرفة تحتاج إلى شبكة تحملها، وهنا السؤال الخامس عن الجغرافيا. فهي ليست قوة تلقائية؛ كم من موقع استراتيجي على الخريطة ظل هامشيًا في الاقتصاد. ويرى باراغ خانا في كتابه عن "الاتصالية" أن قوة المستقبل تُقاس بالشبكات التي تمر عبرها السلع والبيانات والطاقة ورأس المال لا بالحدود. والأردن قريب من مسارات تجارية وطاقية تتشكل من جديد، من الممرات التي يتحدث عنها العالم بين آسيا وأوروبا إلى حاجة الإقليم إلى إعادة الإعمار. لكن الميناء وحده لا يصنع اقتصادًا، والطريق وحده لا يصنع مركزًا، ومركز البيانات وحده لا يصنع اقتصادًا رقميًا. القوة تولد حين تتصل العقبة بالنقل، والنقل بالمناطق الصناعية، وهذه بالطاقة والاتصالات والبنية الرقمية، فتصبح عقدة تمر منها السلع والخدمات. هكذا تتحول الجغرافيا من قدر إلى أصل قابل لإعادة الإنتاج.
ومن الشبكة تتفرع فكرة المنصة، وهي السؤال السادس: كيف يكون الأردن منصة لا سوقًا؟ السوق يستقبل ويستهلك، أما المنصة فتربط الخبرة بالطلب، ورأس المال بالمشروع، والبيانات بالقرار. وقوتها أنها لا تحتاج إلى إنتاج كل شيء، بل إلى تنظيم حركة ما ينتجه الآخرون. وهذه من أبرز صور القوة الاقتصادية في هذا القرن، ويستطيع بلد صغير أن يمتلكها في الصحة اوالتعليم اوالسياحة اوالخدمات الرقمية وغيرها.
وفوق ذلك كله يأتي السؤال السابع: ماذا لو اصبح الذكاء الاصطناعي طبقة تشغيل فوق الاقتصاد كله لا قطاعًا يُضاف إلى القطاعات؟ قطاع مياه أذكى، وطاقة أكفأ، وزراعة أدق، ومستشفيات أقدر على التشخيص، وتعليم يتكيف مع كل طالب، وحكومة تقرأ بياناتها وتقرر بوضوح. وقد أدرج الأردن الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية وطنية تشمل قطاعات عدة، لكن الاختبار الحقيقي لا يكون بعدد شركات الذكاء الاصطناعي، بل بمقدار ما ارتفعت إنتاجية الاقتصاد بسببه.
غير أن التقنية لا تبني اقتصادًا في مجتمع لا يكافئ ما تتطلبه، وهذا هو السؤال الثامن: ما المجتمع الذي يحتاجه الاقتصاد الذي نريد؟ إذا بقي النجاح الاجتماعي مرتبطًا بالوظيفة الآمنة أكثر من الإنتاج، والمهنة أقل مكانة من المكتب، والمخاطرة مرادفة للفشل، فسيعيد المجتمع إنتاج ما تحاول الدولة إصلاحه. وقد جعل أمارتيا سن التنمية توسيعًا لقدرات الإنسان وحرياته الفعلية لا مجرد زيادة في الدخل فقط. والأردني الذي ينتقل من سؤال: أين أجد وظيفة؟ إلى سؤال: ما القيمة التي أستطيع إنتاجها؟ هو نواة الاقتصاد الجديد. والمهندس الذي يؤسس شركة، والباحث الذي يحول علمه إلى منتج، والحرفي صاحب المهارة النادرة، والمزارع الذي يضاعف إنتاجه بالتكنولوجيا، هؤلاء ليسوا استثناءات بل طليعة.
وكل ذلك يتطلب مؤسسات دولة تنطلق بثوب جديد، وهذا هو السؤال التاسع. ليست دولة تنسحب من الاقتصاد ولا دولة تهيمن عليه، بل دولة تعرف أين تتدخل وأين تترك السوق. وقد دافعت ماريانا ماتسوكاتو عن الدولة التي تقود الابتكار وتتحمل المخاطر الأولى التي يحجم عنها القطاع الخاص. أما ابن خلدون فقد ربط قبل ستة قرون ازدهار العمران بعدل الدولة وكفاءة إدارتها. فقدرة الدولة على التنفيذ ليست شأنًا إداريًا، بل ميزة اقتصادية وطنية. والمعيار الحاسم: ماذا يبقى في الاقتصاد بعد انتهاء المشروع؟ إن لم يبقَ سوى المبنى فقد أنجزنا مشروعًا، وإن بقيت شركة ومهارة وبراءة وسلسلة توريد وأسواق جديدة فقد بنينا قدرة وطنية. وهذا هو الفرق بين الإنفاق وبناء القوة.
ومن هنا السؤال العاشر: أي القطاعات إذا نجحنا فيها لم نعد ننتظر الفرصة لأننا سنصنعها؟ لا يحتاج الأردن إلى عشرات القطاعات الاستراتيجية، بل إلى قليل منها يبني حوله منظومة كاملة من التعليم والبحث والتمويل والتشريع والشركات والتصدير. وقد تكون الطاقة المتجددة أو الخدمات الرقمية أو التعليم او الصناعات الدوائية أو اللوجستيات أو السياحة عالية القيمة. لكن الاختيار يجب ألا يقوم على ما يبدو لامعًا اليوم، بل على ما يمكن أن يتراكم فيه العمق لسنوات. وهكذا ظهرت سنغافورة، التي لم يمنحها موقعها وحده ما بلغته، بل اختيارها المتواصل لما تتقنه ثم التفوق فيه. وقد رأى داني رودريك أن الدول تصنع ميزتها بسياسات تشجع على التنويع والاكتشاف، لا بانتظار ميزة موروثة.
ويبقى فوق ذلك سؤال اضافي، لكنه الأصعب: أين يستطيع الأردن أن يبني ميزة يصعب على الآخرين تقليدها؟ والجواب غالبًا في العمق لا في الاتساع. فمستقبله في اقتصاد عالي القيمة لا كبير الحجم، اقتصاد يقيس نجاحه بالقيمة المنتجة من كل متر مكعب من الماء، وكل وحدة طاقة، وكل ساعة عمل، وكل دينار مستثمر، وكل خريج. عندئذ يتغير السؤال عن النمو، فلا نسأل لماذا نما الاقتصاد بنسبة كذا، بل لماذا صار أقدر على النمو. فالنمو الذي يتبع دورة خارجية يعلو ويهبط معها، أما النمو المبني على الإنتاجية والمعرفة والقدرة التصديرية فيبني نفسه من الداخل.
وهنا يتجمع كل ما سبق في سؤال واحد: هل يريد الأردن اقتصادًا يبحث عن الفرصة، أم اقتصادًا يصنعها؟ الأول ينتظر المستثمر والمنحة والظرف الإقليمي، والثاني يسأل: ما القدرة التي نبنيها بحيث يأتي الاستثمار إلينا، وتبحث الأسواق عن منتجاتنا، وتحتاج الدول إلى خبرتنا؟ إنه فارق في فلسفة الدولة قبل أن يكون فارقًا في الأرقام.
والأردن لا يحتاج إلى أن يكون الأكبر في المنطقة، ولا أن ينافس اقتصادات تفوقه بعشرات الأضعاف في الموارد والسكان، بل أن يكون دولة قيمتها أكبر من حجمها: صغيرة في المساحة كبيرة في المعرفة، محدودة الموارد عالية الكفاءة، ضيقة السوق واسعة التصدير، في إقليم مضطرب لكنها بفضل قيادتها الهاشمية قادرة على تحويل موقعها واستقرارها إلى شبكة، وتملك إنسانًا، إذا أُحسن تعليمه وتمكينه، أثمن مواردها الاستراتيجية.
وفي هذا الزمن لن تكون القوة في الهيمنة الاقتصادية بمعناها القديم القائم على الحجم والثروة والسيطرة، بل في أن تغدو الدولة ضرورية في شبكات لا يعمل الإقليم أو العالم بكفاءة عالية من دونها. وتلك قوة لا تنتزعها الجيوش ولا تسحبها الأزمات، لأنها قوة الحاجة المتبادلة. وفي إقليم تتبدل فيه الخرائط والتحالفات، تبقى الدولة الضرورية آخر من يُستغنى عنه وأول من يُستشار.
فلنتخيل الأردن بعد عقدين: جامعاته تخرّج شركات لا حملة شهادات للعمل كموظفين فقط، ومختبراته تحوّل تجربة الندرة إلى تقنيات تُصدَّر إلى كل بلد بحاجة إليها، وميناؤه عقدة بين الخليج والشام وأوروبا، ومنصاته الصحية والرقمية والتعليمية يقصدها العرب، وشبابه يسألون عن القيمة التي سيصنعونها لا عن الوظيفة التي سينتظرونها. حينها لن يسأل أحد كم نما الأردن، لأن العالم كله سيسأل: كيف أصبح هكذا؟
فالدول لا تصنع مكانتها بكثرة ما تملك، بل بعمق ما تتقن. ولذلك، قبل أن نسأل: كم سينمو الأردن؟ علينا أن نسأل: في ماذا يريد أن يصبح ضروريًا؟ فمن وجد الجواب حوّله إلى معرفة، والمعرفة إلى منتج، والمنتج إلى سوق، والسوق إلى شبكة، والشبكة إلى نفوذ، فلن ينتظر المستقبل، بل سيكون قد بدأ بصناعته.