أَمِنَ المفارقة أن تدرك ما لم يُفصح عنه الواقع؟

نبض البلد -

بقلم: الدكتورة إيمان أمين الشمايلة

ليس كلُّ ما يُدرك يُرى، ولا كلُّ ما يُرى يُفهم؛ فثمة مسافةٌ خفيّة بين ظاهر الأشياء وحقيقتها، لا يقطعها البصر وحده، بل عقلٌ يُحسن الإصغاء إلى ما لم يُقَل، ووعيٌ يلتقط من صمت الوقائع ما تعجز اللغة عن الإفصاح عنه.
قد تقف أمام مشهدٍ مكتمل التفاصيل، فيما تظلّ حقيقته ناقصة؛ تسمع الكلمات، لكنك لا تبلغ معناها، وترى الحركة، لكنك لا تعرف وجهتها. فالأحداث لا تبدأ دائمًا حين تقع، بل قد تسبقها مقدماتٌ صامتة، تتناثر في السلوك، وتتخفّى في التوقيت، وتترك في الذاكرة إشاراتٍ لا ينتبه إليها إلا من اعتاد أن يقرأ ما وراء الظاهر.
وهنا تبدأ المفارقة: أن تفهم شيئًا لم يكتمل، دون أن تدّعي امتلاك الحقيقة؛ أن تشعر بأن في المشهد ما يستحق التوقف، بينما لا تملك بعدُ ما يكفي لتفسيره. فهل تكون هذه يقظة العقل، أم استعجالًا في تأويل ما لم تتضح صورته؟
ولعلّ البصيرة الحقيقية لا تكمن في أن ترى أبعد من الآخرين، بل في أن تعرف ماذا تفعل بما رأيت. فالعقل العميق لا يحوّل الإشارة إلى حكم، ولا الاحتمال إلى يقين؛ يحتفظ بما التقطه في موضع السؤال، ويترك للوقائع مهمة الإجابة. أما العقل المستعجل، فقد يرى نصف الحقيقة، ثم يبني عليها حقيقةً كاملة، فيصبح أسيرًا لقراءته بدل أن يكون قارئًا لها.
وقد تكون أعظم علامات الوعي أن تستطيع أن تقول لنفسك: «ربما رأيتُ شيئًا، لكنني لم أفهمه بعد.» فهذه الجملة الصغيرة تحمي الإنسان من غرور المعرفة، وتمنح الحقيقة فرصة أن تظهر دون أن تُجبر على ارتداء الصورة التي صنعها لها ذهنه.
إن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان ليس ألّا يرى، بل أن يخلط بين ما رآه وما ظنّه؛ فالبصيرة لا تعني أن نحكم على الغائب، وإنما أن نُحسن قراءة الحاضر، وأن نترك للزمن حقّه في كشف ما استتر.
وليس كلُّ صمتٍ دليلًا، ولا كلُّ مصادفةٍ رسالة، ولا كلُّ تشابهٍ حقيقة. غير أن العقل الذي يُعطّل أسئلته خوفًا من الخطأ، يفقد إحدى أهم وظائفه: أن يتأمل، ويقارن، ويربط، ثم ينتظر الدليل قبل أن يمنح الظنّ صفة اليقين.
فالوعي الحقيقي ليس أن تعرف ما سيحدث، بل أن تدرك ما يحدث دون أن تخدعك رغبتك في تفسيره.
كم من حقيقةٍ بدت في بدايتها ضربًا من المبالغة، ثم جاءت الوقائع لتمنحها معناها؛ وكم من ظنٍّ ارتدى ثوب الوعي، ثم أسقطته أول مواجهةٍ مع الحقيقة.
والزمن في هذه الحكاية ليس صانعًا للحقيقة بقدر ما هو كاشفٌ عنها؛ فهو لا يخلق المعنى من العدم، وإنما يرفع عنه الغطاء. وما بدا بالأمس إشارةً غامضة، قد يصبح اليوم دليلًا واضحًا؛ وما ظننّاه بالأمس يقينًا، قد يكشف لنا الغد أنه لم يكن أكثر من ظلٍّ مرّ على جدار ظنوننا.
لذلك، لا تُسارع إلى اتهام العقل بالوهم لأنه رأى احتمالًا لم يتضح، ولا تمنحه صكّ الحقيقة لمجرد أن حدسه وافق حدثًا لاحقًا. فبين الإدراك واليقين مسافةٌ لا يملؤها الذكاء وحده، بل يملؤها التثبت، والتواضع أمام المجهول، والقدرة على مراجعة الذات.
إن بعض المشاهد لا تحتاج إلى عينٍ أكثر حدّة، بل إلى عقلٍ أقلَّ استعجالًا؛ عقلٍ يعرف متى يقرأ، ومتى يصمت، ومتى يعيد ترتيب ما ظنّ أنه فهمه.
وربما لهذا كان أكثر الناس وعيًا ليس من يزعم أنه فهم المشهد من النظرة الأولى، بل من يعرف أن للمشهد طبقاتٍ لا تظهر دفعةً واحدة؛ فيراقب دون تهويل، ويفهم دون ادعاء، ويترك نافذةً مفتوحة لاحتمال أن تكون الحقيقة أوسع من قراءته.
فليست المفارقة أن تدرك ما لم يُفصح عنه الواقع؛ المفارقة أن ترى الحقيقة حين تكتمل، ثم تكتشف أنك كنت تنظر إليها منذ البداية… دون أن تعرف اسمها.
وهكذا، قد لا يكون السؤال: كيف فهمت ما لم يحدث بعد؟ بل: كم من الأشياء تحدث أمامنا، ولا نفهمها إلا حين يصبح فهمها متأخرًا؟
فالحكمة ليست أن تسبق الحقيقة، بل ألّا تصل إليها متأخرًا عن وعيك.