د.حازم قشوع

الملك والاردن امام النقاط الخمس

نبض البلد -
د. حازم قشوع

كان يمكن أن تبقى نقطة الاشتباك محصورة في قطاع غزة لو جرى التعامل مع مسألة إعادة الإعمار وضخ نحو 100 مليار دولار لهذه الغاية، لكن هذا الرقم تضاعف عشرات المرات عندما جرى توسيع نقاط الاشتباك إلى ضفتي الخليج، وذهبت هذه الأموال لصالح شركات الأسلحة التي أخذت تبيع جميع مخازنها القديمة حتى نفد كل ما فيها. لكن هذا التحول حمل حسنة وحيدة تمثلت في إرجاء مسألة التهجير للفلسطينيين، التي تعتبر مسألة مركزية في بيت القرار الإسرائيلي، الذي ما زال يحاول الدفع باتجاه إشغال القوات المصرية في اليمن، بهدف إفراغ سيناء المصرية من الجيش المصري، حتى تفتح فرصة التهجير. وهذا ما جعل مصر تبقي علاقاتها مع إيران من باب موارب، لكن ذلك قد يتغير عقب لقاء ترامب والسيسي، وترامب وقادة الخليج في أروقة الجمعية العامة، كما يصف ذلك متابعون.

وهذا يعني أن الكل ينتظر نقطة الحسم لبيان اتجاهات المرحلة، على غرار ما قامت به إسرائيل في الجنوب اللبناني والجنوب السوري، الذي أصبح منطقة أمنية عازلة إسرائيلية. ويتوقع أن تصبح ضمن سيطرتها خلال السنوات الخمس القادمة، وهي الفترة التي قد تشهد تغييراً عاماً في وجه المشرق العربي، بعد سقوط النظام الإيراني وبعثرة جغرافيته السياسية إلى دويلات، كما يبين ذلك سياسيون. وهذا ما يجعل بيان الحال والموقع العام يوصف بالخطير نتيجه ما تسرب عن الخطة التنفيذية للحسم، التي لا تقف عند حدود الاشتباك العسكري، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية ومساحات النفوذ، بما يجعل توسيع نقاط الاشتباك عنواناً لمرحلة جديدة تتجاوز حدود الحرب إلى هندسة الإقليم من جديد.

وهذا ما جعل الحرب لا تبقى محصورة في نقطة اشتباك واحدة في غزة ومحيطها، بعدما أخذت تتمحور على شكل بلورات متصاعدة، مع توسيع نقاط الاشتباك وربطها بالجغرافيا السياسية للمنطقة، بحيث تصبح السنوات الخمس المقبلة مساحة محتملة لإعادة ترتيب المشرق العربي والخليج، ليس من خلال حرب واحدة تبعثر الديموغرافيا، بل عبر هندسة جديدة تعيد رسم النظم والأنظمة المتحركة ، وذلك عبر خمس نقاط استراتيجية قادرة على تحويل مفاتيح إعادة تشكيل النموذج الإقليمي.

النقطة الأولى هي إيران عبر مضيق هرمز، حيث تتداخل الجغرافيا مع الطاقة والتجارة الدولية، وحيث تكشف التطورات المرتبطة بالمضيق حساسية الممرات البحرية في معادلة القوة الإقليمية والدولية. فهرمز ليس مجرد ممر مائي، وإنما نقطة اتصال بين أمن الخليج وأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب فيه تتجاوز آثاره حدود المنطقة.
والنقطة الثانية هي اليمن عبر باب المندب، وهي النقطة المقابلة لهرمز في المعادلة البحرية. فحين يصبح باب المندب تحت ضغط عسكري متزايد، فإن البحر الأحمر وقناة السويس يتحولان إلى امتداد مباشر لأمن الخليج والطاقة والتجارة الدولية. وما يجري في اليمن يجعل هذه الجغرافيا جزءاً أساسياً من قراءة مستقبل الأمن الإقليمي.

أما النقطة الثالثة فهي تمتد من سوريا إلى العراق عبر المناطق الشمالية والكردية، حيث تتقاطع الحدود مع النفوذ والطاقة وممرات الحركة، وحيث يمكن لأي إعادة ترتيب في موازين القوى أن تنتج واقعاً جغرافياً جديداً. وفي سوريا تحديداً، أصبح الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية جزءاً من المشهد الأمني المتحرك، بالتزامن مع اتصالات وترتيبات تتصل بأمن المنطقة ومستقبلها.

والنقطة الرابعة هي مصر عبر سيناء، وهي الأكثر ارتباطاً بمستقبل القضية الفلسطينية. فسِيناء ليست مجرد حدود جغرافية مع غزة، وإنما عمق أمني واستراتيجي مصري، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني وفق سياسات التهجير أو النقل السكاني ستبقى مرتبطة بموقع سيناء ودورها، وبقدرة مصر على الحفاظ على معادلتها الأمنية والسيادية.

أما النقطة الخامسة فهي السعودية عبر المنطقة الشرقية ومحيط الدمام، بعد دفع سكان واجهة الخليج العربي إلى الداخل السعودي، حيث تلتقي الطاقة بالموانئ والبنية الاقتصادية. وتكشف حساسية هذه المنطقة أهمية أمن الطاقة والمنشآت الحيوية في أي تصور لمستقبل الإقليم، خصوصاً عندما تتزامن الضغوط على هرمز والبحر الأحمر.

وهكذا تصبح لدينا خمس نقاط لخمس سنوات: هرمز، وباب المندب، والشمال السوري والعراقي، وسيناء، والمنطقة الشرقية السعودية. والقضية ليست أن تتحول هذه النقاط بالضرورة إلى خمس حروب، وإنما أن تتحول إلى نقاط ضغط واستهداف وإعادة تموضع، بحيث يجري من خلالها تغيير وظائف الجغرافيا وموازين القوة والنماذج السياسية والأمنية في المنطقة. فالمرحلة المقبلة، إذا استمر هذا المسار، لن تكون معركة على الأرض فقط، وإنما معركة على شكل الإقليم بعد الحرب، وهنا تكمن فعالية تأثير دوامة «هندسة جغرافية المكان».

واستناداً إلى هذا التحدي، فإن الأردن يحتاج، إلى جانب خطته الاحترازية، إلى خطة استدراكية واضحة تقوم على برامج عملية تحصّن المجتمع وتخفف من آثار أي اضطراب إقليمي محتمل. ويأتي في مقدمة هذه البرامج برنامج للحد من البطالة وخلق فرص عمل جديدة، وبرنامج أوسع لفتح أبواب الاستثمار وتسهيل دخوله وتوسعه، وبرنامج اجتماعي يخفف من الآثار الجانبية للضغوط الاقتصادية على المجتمع، بما في ذلك توفير بيئة تساعد الشباب على الزواج والاستقرار وتكوين الأسر. كما تحتاج الخطة إلى توسيع آفاق العمل أمام الأردنيين في الخارج من خلال توسيع قاعدة التأشيرات وفرص العمل في الدول القادرة على استيعاب الكفاءات والعمالة الأردنية، إلى جانب برنامج للتمويل الميسر للحرف والمهن والمشروعات الصغيرة، ترافقه جهة مركزية للمساعدة والمتابعة والتسويق والتطوير، حتى لا يبقى القرض مجرد تمويل، وإنما يتحول إلى مشروع إنتاجي قابل للاستمرار.

وهذه البرامج ليست منفصلة عن مفهوم «مشاركة الكل في حماية الكل»، لأن مواجهة آثار الأزمات لا تكون أمنية فقط، وإنما اقتصادية واجتماعية وتنموية أيضاً. فكلما امتلك المجتمع قدرة أكبر على العمل والإنتاج والاستثمار والاستقرار، أصبحت الدولة أكثر قدرة على امتصاص تداعيات أي اضطراب إقليمي. ولذلك فإن قاعدة «ماذا لو؟» يجب أن تتحول إلى عمل مؤسسي دائم، بخطة احترازية تسبق الأزمة، وخطة استدراكية تتعامل مع آثارها، وبمشاركة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والقطاعات الإنتاجية.

وفي هذا السياق تأتي حركة الملك عبدالله الثاني السياسية الخارجية، التي تتزامن مع مشاركته في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ولقاءاته مع قادة الدول ورؤساء الوفود المشاركين. وقد التقى الامس رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، حيث تناول اللقاء المستجدات الإقليمية والشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، كما أكد الملك أهمية تكثيف الجهود الدولية لإنهاء التصعيد وحماية أمن الدول العربية وسيادتها، مع الإشارة إلى تطلع الأردن لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في تشرين الثاني المقبل.

وهنا تتقاطع حركة السياسة الخارجية مع تحدي النقاط
الخمس عبر شراكات امنيه واخرى تنموية؛ فالأردن لا يتعامل مع الجغرافيا باعتبارها قدراً جامداً، وإنما يدير موقعه السياسي من خلال شبكة علاقاته وحضوره الدولي، بما يحافظ على ثوابته ومصالحه ودوره. وهذا ما يجعل «أردن الرسالة» القادر على التمدد الجغرافي لإشغال الفراغ فى محيطه لبيان استتباب الأمن على اعتباره جزءاً من معادلة الاستقرار، لا مجرد توصيف سياسي لجغرافية المكان التي قد تتوسع ديموغرافياً وجغرافياً، لكن ليس من الباب الغربي، بل من المدخل الشمالي والجنوب الشرقي.

ولهذا فإن تحدي النقاط الخمس يقابله في الداخل الأردني
بناء خمسة مسارات احترازيه للحماية واستدراكية للاستعداد وتتمثل فى التشغيل، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي، والعمل الخارجي، وتمويل المهن والمشروعات الصغيرة. فالأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه قادر على إدارة موقعه، ولا يستطيع منع التحولات الإقليمية، لكنه يستطيع الاستعداد لها، وأن يحافظ على «أردن الرسالة» بوصفها دولة قادرة على حماية مجتمعها وموقعها ودورها ورسالتها ونظامها الوازن. ومن هنا تبدأ هندسة جغرافية المكان من حماية الإنسان والمجتمع والدولة، قبل أن تبدأ من إعادة رسم الخرائط حيث يقوم الملك والجيش والمؤسسات الامنيه فى مواحهة هذا التحدي عبر تشكيلات امنيه واخرى سياسات دبلوماسيه يقودها الملك فى المحافل الدوليه حيث ينتظر المتابعين ان يبينها خطابه فى الجمعيه العمومية الذى سيكون فى جلسه افتتاح الكلمات الرسمية .