"الكرسي الذي بقي فارغًا"

نبض البلد -


في كل مكان كرسي لا يجلس عليه أحد، ومع ذلك يبدو كأنه يحتفظ بشيء من الحضور. كرسي في زاوية بيت قديم، أو مقعد في مقهى اعتاد شخص ما أن يجلس عليه، أو مكان ظل محفوظا في الذاكرة حتى بعد أن غاب صاحبه. نحن نرى الكرسي فارغا، لكن الفراغ لا يعني دائما أن المكان خال. بعض الغائبين يتركون وراءهم حضورا أقوى من حضور الذين بقوا.

ربما لهذا لا تكون الأشياء مجرد أشياء كما نظن. فالكرسي قد يصبح ذاكرة، والنافذة قد تصبح موعدا، والباب قد يصبح حكاية، والثوب القديم قد يحمل من صاحبه أكثر مما تحمل بعض الصور. نحن لا نعيش مع الأشياء وحدها، بل نمنحها شيئا منا، ثم نكتشف بعد رحيلنا أو رحيل من نحب أن بعضها لم يعد جمادا كما كان.

هناك أشياء لا تنطق لكنها تحفظ أصواتنا. وأماكن لا تتحرك لكنها تحفظ خطواتنا. وجدران لا تعرف الكلام لكنها تعرف كم مرة وقفنا أمامها مثقلين بما لم نستطع قوله لأحد.

لهذا ربما كان الغياب أكثر تعقيدا من مجرد ابتعاد شخص عن مكان. الغياب الحقيقي هو أن يبقى كل شيء كما كان، ثم لا نجد الشخص الذي كان يمنح الأشياء معناها.

قد تدخل الغرفة نفسها بعد سنوات، فتجد الكرسي في مكانه، والنافذة في مكانها، والضوء ينساب بالطريقة نفسها، لكنك تشعر أن الغرفة لم تعد هي الغرفة. ليس لأن شيئا تغير فيها، بل لأن شيئا تغير فيك.

وهنا تبدأ واحدة من أغرب مفارقات الحياة. نحن نظن أننا نترك الأماكن، بينما الحقيقة أن بعض الأماكن لا تتركنا. نحملها معنا دون أن نشعر. تحمل معنا رائحة صباح قديم، وصوتا لم نعد نسمعه، ووجها لم يعد يظهر في المرايا، ونسخة قديمة منا كانت تجلس ذات يوم على ذلك الكرسي وتعتقد أن العمر طويل وأن الأشياء التي نحبها ستبقى دائما.

لكن لا شيء يبقى كما هو.

حتى نحن لا نبقى كما كنا.

والأغرب من ذلك أن الإنسان لا يكتشف قيمة بعض الأشياء وهي موجودة. يعرفها عندما تتحول من وجود يومي إلى ذكرى. عندها يصبح فنجان عادي قطعة من العمر، وتصير أغنية عابرة مفتاحا لسنوات كاملة، ويصبح مكان صغير قادرا على فتح باب في الذاكرة ظننا أننا أغلقناه منذ زمن.

ربما لأن الزمن لا يمحو الأشياء كما نعتقد. إنه يغير طريقة ظهورها فقط.

فالطفولة لا تختفي، لكنها تتحول إلى حنين. والذين رحلوا لا يعودون، لكن أصواتهم قد تعود في لحظة غير متوقعة. والأيام التي انتهت لا يمكن استعادتها، لكنها تستطيع أن تعيد تشكيل قراراتنا بعد سنوات.

وهكذا يصبح الماضي شريكا صامتا في حاضرنا.

لا يجلس معنا، لكنه يترك كرسيا في داخلنا.

واقول انا:

تعلمت مع الوقت أن بعض الفراغات لا ينبغي أن نملأها بسرعة. فهناك غياب يحتاج أن نتعلم كيف نحمله، لا كيف نهرب منه. وهناك أماكن فارغة تذكرنا بأن الحياة ليست في كثرة ما حولنا، بل في المعنى الذي تمنحه الأشياء لوجودنا.

لم أعد اخاف من الكرسي الفارغ كما كنت. صرت اراه شاهدا على ان انسانا ما مر من هنا، وان لحظة ما كانت تستحق ان تحفظ، وان بعض العلاقات لا تنتهي تماما عندما يغيب اصحابها.

فما نتركه خلفنا ليس دائما شيئا يمكن لمسه.

قد نترك كلمة.

وقد نترك موقفا.

وقد نترك أثرا صغيرا في قلب انسان لا يعرف أننا غيرنا شيئا في حياته.

وربما هذه هي العدالة الوحيدة التي يمنحها الزمن لنا. أنه يأخذ منا الوجوه والاماكن والايام، لكنه لا يستطيع دائما أن يأخذ الاثر.

لذلك لا تسأل دائما من بقي، ومن رحل.

اسأل ماذا بقي منك في الذين عرفوك.

فقد يغيب الإنسان عن المكان، ويبقى المكان فيه.

وقد يرحل الإنسان عن الحياة، وتبقى حياته في حياة آخرين.

وقد يخلو الكرسي من صاحبه، لكنه يظل ممتلئا بحكاية لا يستطيع الغياب أن يمحوها.

وفي النهاية، ليست الأشياء العظيمة هي التي تبقى دائما.

أحيانا يبقى شيء صغير جدا.

كرسي.

نافذة.

صوت.

رائحة.

كلمة.

ثم يأتي يوم بعيد، فنكتشف أن هذا الشيء الصغير كان يحمل جزءا من حياتنا كلها.

وهنا نفهم متأخرين أن الإنسان لا يغادر الأماكن تماما، وأن الأماكن لا تغادر الإنسان تماما.

نحن نترك خلفنا أشياء نظنها صامتة، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تكتب عنا.

وربما لهذا لا يكون الكرسي الفارغ فارغا حقا.

فبعض المقاعد لا ينتظر عائدا... بل يحتفظ بمن رحل.

بقلم 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب