نبض البلد -
الأنباط – عمر الخطيب
كانت الشمس في منتصف السماء، والظهيرة تثقل أحد أحياء عمّان بحرارتها، السيارات متوقفة في أزمة سير وأصوات "الزوامير" تتعالى من كل جانب، فيما تختلط رائحة عوادم المركبات برائحة القمامة المنبعثة من الحاويات على طرف الشارع.
كنت داخل سيارتي، أنتظر أن تتحرك السيارت، حين لفت انتباهي مشهد لم أستطع أن أتجاوزه، امرأة منقبة تقف أمام حاوية قمامة كانت تحني جسدها فوقها، وتفتش بين الأكياس بيدين متعبتين؛ تحرك هذا الكيس ثم ذاك، وتتوقف أحيانا وكأنها تحاول أن تعرف إن كان ما وجدته يصلح لشيء يلبي رغبتها، وكان معها طفل رضيع تحمله بذراع فيما تمتد يدها الأخرى إلى الحاوية، رأسه مستند إلى صدرها هادئ على نحو لافت بينما يقف طفل آخر بالقرب منها يراقب ما تفعله بصمت.
تحركت السيارة قليلا لكن المشهد بقي أمام عيني ثم توقفت و صففت السيارة إلى جانب الطريق وخرجت منها واقتربت نحوها، وترددت للحظة قبل أن أسألها "أختي شو اللي بخليكي تعملي هيك وشو الاشي يلي وصلك لهون " ؟ فرفعت عينيها نحوي لم تقل شيئا.
بدت مرتبكة، خجولة، وكأنها لم تكن معتادة أن يسألها أحد عن هذا المشهد، أو ربما كانت تتمنى ألا يراها أحد أصلا، رفعت يديها إلى وجهها وأخفتهما للحظات في حركة بدت كأنها محاولة لإخفاء نفسها من الموقف كله، ثم أنزلت يديها ببطء وانهمرت الدموع وخرج صوتها خافتا، مكسورا، يحمل في نبرته تعبا وهما وثقلا أكبر من الكلمات "والله يا أخوي الوضع ما بسرّ لا عدو ولا قريب والجوع هو اللي بخليني أجي لهون".
ثم عادت بنظرها إلى طفلها، لم تكن تبحث لنفسها كما بدا من حديثها؛ كانت تبحث عن شيء يمكن أن تحمله معها إلى البيت شيء يسدّ جوعا لا ينتظر، فوقفت للحظات أمام المشهد ولم أعرف ماذا يمكن أن يُقال أمام امرأة وصل بها الحال إلى أن تبحث بين أكياس القمامة عن شيء ينفعها وأطفالها، وغادرت المكان لكن المشهد لم يغادرني.
بقيت أصوت السيارات عالقة في رأسي ورائحة الحاوية وحرارة الظهيرة وتلك العينان اللتان حاولتا أن تخفيا دموعهما وفكرت كم امرأة أخرى تقف الآن أمام حاوية في شارع آخر؟ وكم أما تحمل رضيعها وتبحث عن شيء تطعمه؟ هي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.
فالفقر الذي كان يظهر قديما غالبا في رجل يقف على قارعة الطريق ويمد يده طلبا للمساعدة، اذ تغيّرت صورته اليوم فـ باتت المرأة حاضرة في المشهد عند إشارات المرور وعلى الأرصفة وبالقرب من الأسواق وأمام الحاويات أيضا، نساء يحملن أطفالهن وأمهات يطلبن العون وأسر تبحث عن مخرج من ضيق لا يبدو أن له بابا قريبا.
وفي ذلك الشارع وسط ضجيج السيارات وحرارة الظهيرة كانت امرأة تقف أمام حاوية قمامة لا لأنها اختارت هذا المكان بل لأن الجوع دفعها إليه وحين يصبح البحث في القمامة طريقًا لإطعام طفل، فإن الحكاية لم تعد عن امرأة وحاوية وإنما وجع مجتمع كامل.