نشرت صحيفة "الغارديان” مقالا للمعلقة نسرين مالك، قالت فيه إن السياسيين التقدميين، مثل زهران ممداني، أصبحوا رمزا للحلول التي يقدمها مسلمون أمريكيون للإرث المرير المتمثل في الإخفاقات التي تلت أحداث 11 أيلول/سبتمبر، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
وأشارت في هذا السياق إلى مقالين نشرا بذكرى مرور 25 عاما على أحداث 11 أيلول/سبتمبر، رصدا ظاهرتين مختلفتين في نيويورك المعاصرة، وقدما لنا الكثير من المعلومات عن مدينة، بل وعالم، يقف عالقا بين حقبتين زمنيتين.
ففي المقال الأول، تغوص مجلة "نيويورك” في عالم "مدينة حبيبي” (Habibi City)، وهي نيويورك التي تشهد "تحولا ثقافيا تقوده مجموعة من سكان المدينة الذين بدأوا يثبتون حضورهم ويشقون طريقهم بقوة”. ويشار إلى هذا الجيل الجديد بأنه ينحدر من منطقة "SWANA” (سوانا)، أي جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، وهي منطقة "تضم بلدانا تمتد من فلسطين وإيران وصولا إلى السودان”.
أما المقال الثاني، فنشر في مجلة "فانيتي فير”، فيتناول الدعوات التي طالبت زهران ممداني بعدم حضور مراسم إحياء ذكرى 11 أيلول/سبتمبر، واصفا إياها بأنها تستند جزئيا إلى دوافع "عاطفية وغير ناضجة”، إذ ينظر أصحابها إلى "أول عمدة مسلم للمدينة” باعتباره ممثلا -في نظرهم- لأولئك المسلمين التسعة عشر الذين اختطفوا أربع طائرات وحولوها إلى أسلحة فتاكة، أي أنهم يضعونه في خانة "الآخرين” (أولئك الذين هاجمونا) في مقابل "نحن”..
وعلقت مالك بأن هذين المقالين يجسدان، معا، ما تغير على مدار جيل كامل، وما ظل ثابتا بعناد دون تغيير.
فنحن نجد أن أفراد الجاليات من ذوي الخلفية الإسلامية يحققون اختراقات مهمة ويكتسبون، كما تصف مجلة "نيويورك”، "نفوذا وتأثيرا”، فلم يعودوا مجرد مشهد مألوف في البقالات وعربات بيع الطعام الحلال (حلال كارت)، بل أصبحوا جزءا من برامج شهيرة مثل "ساترداي نايت لايف”، ومن عالم المطاعم الراقية والترفيه والسياسة أيضا.
ويعد ممداني في آن واحد تعبيرا عن هذه المجموعة البشرية ومحفزا للاعتراف بها كقوة صاعدة؛ فهم يهتمون بشدة بمجتمعاتهم المحلية، ولكنهم يهتمون أيضا بأهالي غزة وغيرهم في أماكن أخرى.
وأوضحت أنها تستخدم عبارة "ذوي الخلفية الإسلامية” بدلا من كلمة "مسلم”؛ لأن هوية هذه الجاليات تتسم بالتنوع، فهي وإن كانت متجذرة في الدين، إلا أنها تتسع لتشمل الجميع: بدءا من الممارسين للشعائر الدينية ووصولا إلى أولئك الذين يمثل الإسلام بالنسبة لهم رمزا ثقافيا. وتتجلى رحابة هذا الموروث في اندماجه -دون تقديم تنازلات- داخل نسيج المجتمع الأمريكي السائد.
وفي حالة كل من ممداني وعبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي عن ولاية ميشيغان، فإنهما ينأيان بنفسيهما عن طقوس الولاء الأعمى لـ”المجد الأمريكي”، ويتجرآن على تسليط الضوء على الدعم الأمريكي لإسرائيل، وكذلك على العواقب الكارثية لـ”الحرب على الإرهاب” في الشرق الأوسط.
وأشارت إلى أن هذا هو نتاج لظهور جيل جديد من الأمريكيين ذوي الأصول المهاجرة، وهي خلفية رسخت لديهم نظرة للولايات المتحدة تتسم بقدر أقل من الانغلاق والنزعة الاستعلائية. وقالت إن هناك ثمة تاريخية في هذا الأمر، فالهجرة القادمة من بلدان وخلفيات خاضت ضدها الولايات المتحدة حروبا عسكرية وأيديولوجية لا تفضي في نهاية المطاف إلى اندماج مشوب بالخضوع، بل إلى نوع من "العالمية السياسية” التي تمثل نقيضا قاتلا لمفهوم "الاستثنائية الأمريكية”.
وقالت إن النشأة في ظل "الإسلاموفوبيا” تعد تجربة محورية أخرى؛ إذ دفعت الكثيرين، والمفارقة هنا، إلى تعريف أنفسهم من خلال خلفيتهم الدينية بدلا من العرق أو الأصل القومي. وفي فقرة كوميدية ارتجالية باتت شهيرة، قال الكوميدي الأمريكي رامي يوسف: "بطريقة ما، جعلتني أحداث 11 أيلول/سبتمبر أكثر تمسكا بهويتي الإسلامية لأنني واجهت اتهامات تحملني مسؤولية ما حدث”.
وهذه قصة يجد الكثيرون أنفسهم فيها، فقد تحولت الهوية الدينية العفوية لديهم إلى هوية سياسية حادة ومتبلورة خلال سنوات "الحرب على الإرهاب”.
وأكدت مالك أنه في الوقت الذي بدأ فيه هذا الجيل الجديد يكتسب قوته السياسية والاجتماعية، كانت ظاهرة "الإسلاموفوبيا” التي انطلقت شرارتها عام 2001، تزداد توغلا في نسيج المجتمع الأمريكي.
فقد أظهرت دراسة لمركز "بيو” للأبحاث أنه بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت مواقف الرأي العام تجاه الإسلام "أكثر سلبية” و”أكثر انقساما على أسس حزبية” مقارنة بما كانت عليه في أعقاب الهجمات مباشرة. ففي آذار/مارس 2002، كان 25% من البالغين الأمريكيين يعتقدون أن الإسلام "أكثر ميلا من الأديان الأخرى إلى التحريض على العنف”، أما اليوم فقد تضاعفت هذه النسبة لتصل إلى 51%.
ولهذا السبب، يمكن النظر إلى ممداني باعتباره ممثلا لمنفذي الاختطاف (رغم أنه كان في التاسعة من عمره وقت وقوع الهجمات)، كما يمكن للسناتور تومي توبرفيل أن يصف السيد بأنه "إرهابي”. بل إن النائبة في الكونغرس نانسي ميس صرحت بأن "كل مسلم يشغل منصبا عاما في أمريكا” يمثل "تهديدا للأمن القومي ولجمهوريتنا”، في حين زعم دونالد ترامب أن "الجهاديين” باتوا "ينتخبون في كل مكان”.
وتذكر مالك أن روزينا علي، مؤلفة كتاب "مواسم الغضب”، وهو دراسة تتناول تاريخ الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، قالت لها إن الإسلاموفوبيا المعاصرة لا يمكن فصلها عن فشل أوسع نطاقا للسياسة الأمريكية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، فقد تحولت "الحرب على الإرهاب” إلى مأزق خارجي مستعص، بينما شهد الداخل أزمة مالية أدت إلى فقدان الملايين لمنازلهم ومدخراتهم. وتوضح أن أحد أسباب توظيف اليمين لخطاب الإسلاموفوبيا هو أن "الكثير من هذه الأمور يمكن تفسيرها من خلال ما يسمى بغزوات الأجانب أو الثقافة الأجنبية، كالإسلام”. وتضيف أن اليمين ببساطة "لا يملك رؤية فعالة لهذا البلد قادرة حقا على معالجة الكثير من مشكلاته”.
وأكدت مالك أن المشكلة لا تكمن في هذا النهج في كون المسلمين لم يعودوا يكتفون بالبقاء في الظل وتجنب الأنظار فحسب، بل في كونهم يمثلون تيارا سياسيا تقدميا أوسع نطاقا. إذ يعمل المرشحون السياسيون والشخصيات الثقافية على حشد كتل كبيرة من الناخبين والمؤيدين، مستندين في ذلك إلى رؤية للعالم تشكلت بفعل تجارب عميقة من التهميش. وبوسعهم إرساء دعائم عملهم السياسي على قضايا ملموسة تتعلق بمستويات المعيشة والسياسات الخارجية غير الشعبية، فضلا عن تسليط الضوء على الجانب الإنساني لتبعات رد الفعل السياسي العنيف ضد المسلمين، ودمج هذه التجارب في صلب السردية الأمريكية. وبإمكانهم توحيد تحالف عريض من الناس، لأنهم هم أيضا يختبرون تجربة الوقوف في الجانب الخاسر في مواجهة المؤسسة السياسية.
وأكدت أنه رغم كل عبارات الكراهية اللاذعة الصادرة عن اليمين، لم تنجح الدعاية المعادية للمسلمين في الحيلولة دون تشكل هذه الروابط. ففي مراسم إحياء ذكرى هجمات 11 أيلول/سبتمبر التي أقيمت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، صافح ممداني، بكل رزانة ورقي، رودي جولياني، وهو الرجل الذي كان يشغل منصب عمدة نيويورك وقت وقوع الهجمات، وكان قد دعا ممداني إلى عدم الحضور. لقد كان أحدهما يمثل الماضي، بينما كان الآخر يمثل المستقبل