نبض البلد - صدر حديثًا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع رواية «أزل.. ما بعد الواقع» للكاتبة فاتن أبو زايد، في تجربة سردية تتخذ من السؤال بوابةً للدخول إلى عالم تتقاطع فيه الحقيقة مع الاحتمال، والواقع مع ما يتجاوزه، لتضع القارئ منذ الصفحات الأولى أمام منطقة قلقة لا تبدو فيها الأشياء على الصورة التي اعتاد أن يراها بها. ويحيل عنوان العمل منذ عتبته الأولى إلى هذا الاشتغال على ما يقع خلف المرئي والمألوف، وإلى محاولة الاقتراب مما يمكن أن نسميه «الواقع الآخر» الكامن وراء الصورة الظاهرة للأشياء.
وتنطلق الرواية من رغبة واضحة في زعزعة اليقين، لا عبر تقديم إجابات جاهزة، وإنما من خلال بناء سردي يجعل السؤال نفسه جزءًا من الحكاية. وهو ما تكشف عنه الكاتبة في الإهداء حين توجه الرواية إلى من «تجرأ على التساؤل عما وراء الحقيقة»، وإلى من يؤمن بأن الواقع قد يخفي أكثر مما يظهر، معلنةً منذ البداية طبيعة الرحلة التي تريد للقارئ أن يدخلها: رحلة لا يكون الوصول فيها إلى الإجابة أهم من القدرة على إنتاج سؤال جديد.
وتتمركز الحكاية حول ليان، التي تجد نفسها تدريجيًا في مواجهة وقائع وإشارات ورسائل ورؤى لا تستقيم بسهولة مع منطق حياتها المعتاد. وما يبدأ بوصفه اضطرابًا محدودًا في فهم ما يجري حولها، يتحول مع تقدم الأحداث إلى مواجهة أوسع مع أسئلة تتصل بطبيعة الحقيقة نفسها، وحدود الإدراك الإنساني، ومدى قدرتنا على الوثوق بما نراه ونختبره ونعتقد أنه حدث فعلًا.
ومن هنا، لا تقدم فاتن أبو زايد بطلتها باعتبارها شخصية تعرف الطريق إلى الحقيقة، بل باعتبارها شخصية تدخل في اختبار متواصل لليقين؛ فكلما اعتقدت أنها اقتربت من تفسير ما يحدث، انفتح أمامها احتمال جديد يعيد ترتيب الوقائع ويضعها مرة أخرى في منطقة الشك. ويصبح القارئ، بالتوازي معها، طرفًا في لعبة الكشف، مطالبًا بإعادة قراءة العلامات والتفاصيل، وعدم التسليم سريعًا بما يقدمه السرد في ظاهره.
وتستثمر الرواية في هذا السياق بنية التشويق، مستخدمة الرسائل الغامضة، والرؤى، والأرقام، والإشارات، واللقاءات التي تتكشف وظائفها تباعًا، بحيث لا تأتي الغرابة منفصلة عن الحكاية، وإنما تتسلل إليها تدريجيًا من داخل اليومي والمألوف. وتكشف بعض عناوين المقاطع والفصول عن هذه الروح، مثل «الرسالة التي لم يكن يجب أن تصل» و*«الرجل الذي كان يعرف»* وصولًا إلى «الطريق إلى بوابة الصفر»؛ وهي عتبات تشارك بدورها في بناء حالة الترقب، وتدفع السرد من سؤال إلى آخر بدل أن تغلقه عند إجابة واحدة.
ولا تنشغل «أزل.. ما بعد الواقع» بمطاردة الحدث وحده؛ ففي خلفية التشويق ثمة سؤال فلسفي يتكرر بصيغ مختلفة: ما الحقيقة؟ وهل ما نراه منها هو الحقيقة نفسها أم النسخة التي تسمح لنا أدوات إدراكنا برؤيتها؟ ويذهب النص إلى مساءلة الفكرة القائلة إن الحقيقة مفردة وثابتة؛ إذ تظهر فيه تصورات عن تعدد الاحتمالات، وعن إمكانية أن تنتج الاحتمالات المتداخلة أكثر من نسخة لفهم ما جرى، وصولًا إلى القول إن اندماج الاحتمالات لا يلد نسخة واحدة من الحقيقة، بل حقيقة قد تكون أكبر من قدرة الإنسان على استيعابها.
وتتضح هذه الرؤية أكثر حين يضع النص القارئ أمام فكرة أن رؤية الحقيقة لا تعني بالضرورة فهمها، وأن الحقيقة نفسها قد تحتاج أحيانًا إلى إعادة تعريف قبل أن تصبح قابلة للإدراك. وهنا تكتسب الرحلة التي تخوضها ليان بعدها الأعمق، لأنها لا تصبح بحثًا عما حدث فحسب، وإنما بحثًا في الطريقة التي نصنع بها فهمنا لما حدث.
وتستند الكاتبة إلى هذا التوتر بين المعرفة والشك لتوسيع مساحة الرواية من الحكاية الفردية إلى سؤال إنساني أوسع: ماذا يحدث للإنسان حين يكتشف أن المعايير التي استخدمها طويلًا للحكم على العالم لم تعد صالحة؟ وماذا يبقى من الماضي حين تتغير الحقيقة التي فسرناه في ضوئها؟ ولهذا تحضر في الرواية فكرة لافتة مفادها أن الخوف من الحقيقة لا يكون دائمًا لأنها مؤلمة، وإنما لأنها قد تجعل ما سبقها من أكاذيب مفهومًا ومنطقيًا.
وعلى المستوى السردي، تتحرك الرواية بين إيقاع الحدث ومساحة التأمل، وبين المشاهد التي تعتمد على الحركة والمفاجأة، والمقاطع التي تتباطأ فيها الحكاية كي تفسح المجال أمام الأسئلة الداخلية للشخصيات. وتدفع أبو زايد أحداثها عبر سلسلة من الاكتشافات المتدرجة، مع الحرص على إبقاء جزء من الصورة خارج متناول القارئ، بما ينسجم مع الفكرة المركزية للعمل: أن ما نعرفه ليس بالضرورة كل ما هو موجود.
كما تحضر في العمل ثنائية الاختيار والمصير؛ فالشخصيات لا تواجه فقط ما يحدث لها، وإنما تواجه نتائج ما تختاره، وما تصدقه، وما ترفض أن تصدقه. وبذلك تصبح الحقيقة في الرواية فعلًا له كلفة، وليست مجرد معلومة ينتظر المرء اكتشافها؛ فمع كل اقتراب منها يصبح على الشخصيات أن تعيد النظر في ذاكرتها وعلاقاتها وفي صورتها عن ذواتها والعالم.
ويمنح هذا البناء رواية «أزل.. ما بعد الواقع» مساحة تقع عند تقاطع السرد التشويقي والتخييل القائم على الاحتمال والسؤال الفلسفي، من دون أن تتخلى الرواية عن الحكاية بوصفها المحرك الأساس للعمل. فالأسئلة لا تطرح منفصلة عن الأحداث، وإنما تتولد منها، ويتقدم القارئ نحوها من خلال ما تواجهه ليان من وقائع تتسع دوائرها شيئًا فشيئًا.
وفي عملها الجديد، تبدو فاتن أبو زايد معنية بإشراك القارئ أكثر من رغبتها في إقناعه بإجابة محددة؛ إذ تترك له مهمة تفكيك العلامات وربط الخيوط والتشكيك أحيانًا في الرواية التي تقدمها الشخصيات نفسها عن العالم. ولذلك يمكن قراءة «أزل.. ما بعد الواقع» بوصفها رحلة في الحكاية، ولكنها في الوقت نفسه رحلة في مفهوم الإدراك: ما الذي نراه؟ وما الذي نعتقد أننا رأيناه؟ وما الذي كان موجودًا طوال الوقت، لكننا لم نمتلك بعدُ الطريقة المناسبة لرؤيته؟
بهذا الإصدار، تقدم دار فضاءات للنشر والتوزيع للقارئ رواية تراهن على التشويق والسؤال معًا، وتدعو إلى دخول عالمها من دون يقين مسبق، لأن الطريق الذي تبدأه ليان بحثًا عن تفسير لما يحدث سرعان ما يتحول إلى سؤال أكبر عن الواقع نفسه؛ ذلك الواقع الذي قد لا تكون أخطر أسراره فيما يخفيه عنا، بل فيما يجعلنا نطمئن طويلًا إلى أننا عرفناه.