التعليم الأردني بين المدرسة والمنصة... من يعلّم أبناءنا؟

نبض البلد -
جواد الخضري

منذ تأسيس وزارة المعارف عام 1921، حملت المدرسة الأردنية على كاهلها مهمة بناء الإنسان قبل بناء العلامة.. خرّجت آلافاً رفعت وما تزال ترفع اسم الأردن عاليا في معظم دول العالم.. لكن اليوم، وبعد 100 عام، يقف أولياء الأمور الطلبة الاردنيين أمام سؤال مؤلم: هل ما زالت المدرسة هي "البيت الثاني"؟ أم أن المنصة والدوسية والبطاقة الإلكترونية سحبت البساط من تحتها؟

صحيفة "الأنباط" استطلعت آراء عدد من القيادات التربوية السابقة حول "التخبط الواضح" في العملية التربوية، وخاصة في ملف الثانوية العامة...
... 70 منصة تعليمية في السوق، 5 منها فقط مرخصة.... دفع مزدوج من الأهالي، وطالب يحفظ "المتوقع" بدل أن يفهم... فإلى أين نحن ذاهبون وتعليم ابنائنا الى اين؟

المدرسة في خطر: حين يصبح الدوام هو الوظيفة الوحيدة

تجمع القيادات التربوية على نقطة واحدة: "المنصة أداة، وليست بديلاً".
وحول ذلك تقول د. منتهى مدالله الطراونة بصراحة: "المدرسة تبني شخصية الطالب، وتعلّمه الحوار والانضباط والكتابة والتفاعل.. بينما المنصة تقدم معرفة أو تدريباً فقط موضحة ان المشكلة تبدأ حين تصبح المنصة هي المدرسة الحقيقية، وتتحول المدرسة إلى مجرد مكان للدوام".
بدوره يقول أ.د محمد الفرجات: "المعلم لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يشرح ويتفاعل ويتابع ويقيّم ويصحح الأخطاء... أما المنصات فيمكن أن تكون رافداً مهماً، ولكن الخطورة تبدأ عندما تتحول من وسيلة مساندة إلى بديل فعلي عن المدرسة والمعلم والكتاب".
د. ريما زريقات من جهتها تؤكد المعنى ذاته: "المدرسة لم تكن يوماً مصدر للمعلومة فقط، بل البيت الثاني للطالب.. يتعرف به ويتفاعل ويندمج ويصقل شخصيته وبالتالي لن تكون المنصات بديلاً عن ذلك".
وبذلك يصل التربويون الذين سالتهم "الانباط" الى خلاصة مفادها عند الجميع: "المدرسة أولاً، المعلم أولاً، الحصة الصفية أولاً.. والمنصة أداة مساندة."

الدوسية والبطاقة... هل قتلنا الكتاب المدرسي؟

سؤال "الأنباط" الثاني كان عن الدوسيات.. والجواب كان صادماً بالإجماع: نعم، هي وسيلة مراجعة، لكنها أصبحت "الكتاب الحقيقي" الذي يدفع ثمنه ولي الأمر.
"حين يعتاد الطالب على الملخص الجاهز والأسئلة المتوقعة والإجابة المحفوظة، فإننا ندرّبه على اجتياز الامتحان، لا على امتلاك المعرفة" يقول د. الطراونة.
في حين يرى د. ذوقان عبيدات أن المشكلة ليست في الدوسية بحد ذاتها، بل في نظام الامتحانات الذي "يجبر الطلبة على حفظ الدوسية، ويدفعهم للهروب إلى مصادر يرون أنها تفيدهم أكثر من المدرسة".
والنتيجة؟ طالب يجيب 200/200 في "التوجيهي"، لكنه لا يستطيع كتابة فقرة إملائية سليمة.. كما تقول د. سهاد حسونة: "شو الفايدة إذا الطالب جاب علامة عالية، وبعدها ما بقدر يكتب جملة بشكل صحيح؟"

سوق موازٍ: 70 منصة... و5 مرخصة فقط

الرقم الذي طرحته "الأنباط" فجّر النقاش: 70 منصة، 5 مرخصة فقط.
ليصف د. محمود المساد الوضع بـ"التعليم التجاري الموازي".. ويقول: "ضعف المدرسة والوزارة وتأخرهم عمّا هو أقل بكثير من المتوقع منهم، دفع بالسوق وتجار التعليم ليملئوا هذا الفراغ".
من يراقب؟ من يحاسب؟ أسئلة تكررت عند كل القيادات.
د. الطراونة: "وجود ترخيص لا يعني الحق في الحلول محل المدرسة.. وهنا تقع مسؤولية الجهات الرقابية".
د. زريقات: "لم يكن هناك ما يسمى بالترخيص للمنصات.. صدرت تعليمات قبل عام والكثير غير مرخص وهذا غير قانوني وغير تربوي".
ويؤكد أ.د الفرجات: "من حق المجتمع أن يعرف: من المرخص؟ ومن غير المرخص؟ وبأي سند؟"
والأخطر: غياب التشريعات الناظمة أفقد الوزارة السيطرة، وضيّع على خزينة الدولة أموالاً كثيرة، بحسب د. المساد.

التوجيهي في مهب الريح: حقل تجارب أم شهادة وطن؟

وهنا .. ربما كان ملف "التوجيهي" هو الأكثر إيلاماً.
د. ذوقان عبيدات يقولها مباشرة: "التوجيهي الأردني عمره ما كان يحظى بسمعة طيبة.. التوجيهي الذي يحظى بسمعة طيبة هو التوجيهي العادل، الذي يميز الطلبة حسب إمكاناتهم".
د. الطراونة بدورها تحذر: "إذا أصبح الطالب يتعلم كيف يحل السؤال المتوقع بدل أن يتعلم كيف يفكر ويحلل ويكتب، فإننا ننتقل من امتحان يقيس التعلم إلى امتحان يقيس التدريب على الامتحان".
من جانبه أ.د الفرجات يصفها بأنها "قضية وطنية" لأنها مرتبطة بثقة الجامعات الأردنية والعربية والدولية بالشهادة الأردنية.. ويطالب بأن تكون أي إصلاحات "مدروسة ومستقرة ومبنية على تقييم علمي حقيقي، لا أن يتحول الطالب إلى حقل تجارب".
ويدعو د. عبد الكريم اليماني يدعو صراحة لـ "جلسة نيابية متخصصة لمناقشة تجربة نظام الحقول التعليمية وتقييم نتائجها" وإمكانية العودة للمسارين العلمي والأدبي "باعتبارهما أكثر وضوحاً وبساطة".

ولي الأمر يدفع الثمن... مرتين وثلاثة

وهنا تجتمع الصورة القاتمة عند نقطة واحدة: هي الكلفة المالية. ولماذا يدفع اولياء الأمور ثمن ذلك غير مرة.
"عندما يدفع ولي الأمر للمدرسة، ثم للمنصة، ثم للدوسيات، ثم للدروس الخصوصية، فنحن أمام سؤال كبير: لماذا يدفع المواطن ثمن التعليم أكثر من مرة؟" - د. الطراونة.
د. حسونة من جهتها تصف الواقع: "بدك مدرسة، بدك منصة، بدك دوسيات، بدك بطاقات، ويمكن دروس خصوصية كمان.. يعني الأهل صاروا يدفعوا من جيبتهم عشان يضمنوا إن ابنهم ما يضيع".
والنتيجة تحول التعليم من "حق" إلى "سوق".. ومن يملك المال أكثر، يشتري فرص النجاح أكثر.

من المسؤول؟ ومن يحاسب من؟

هنا اختلفت الإجابات بين "مسؤولية مؤسية" و"غياب وعي".
يقول د. الطراونة: "المسؤولية تقع على كل من يضع السياسة التعليمية، ومن يمنح الترخيص، ومن يراقب".
فيما يرى د. المساد: ان "المشكلة في فراغ واقع التعليم في العقد الأخير"، أما د. حسونة: فيعتقد أنها تكمن ب"عدم وعي بعض الطلبة وتأثير الأقران ومواقع التواصل".
لكن السؤال الأهم الذي طرحته د. الطراونة: "هل ما زلنا نعلّم أبناءنا لكي يعرفوا؟ أم أصبحنا نعلّمهم لكي ينجحوا فقط؟ فحين يصبح النجاح غاية منفصلة عن المعرفة، نكون قد خسرنا التعليم، حتى لو ارتفعت علامات الطلبة".

الحلول المقترحة: من التجريم إلى التنظيم

رغم التشخيص القاسي، يقدم الخبراء التربويون روشتة علاج.. أبرزها ما قدمه د. محمود المساد مطالبا ب إلزام المنصات بالترخيص: وذلك بامهلها 6 أشهر للتصويب، وإغلاق غير الملتزمة.
وايجاد ميثاق محتوى وطني: يقوم على اعتماد المحتوى قبل نشره، و"ختم جودة" رقمي. بالاضافة الى منع بوابات الدفع من التعامل مع أي منصة غير مرخصة.
كما دعا د. المساد الى تطوير منصة "درسك" الحكومية وتحويلها لمنافس حقي بمحتوى تفاعلي مجاني.. فضلا عن إعادة الاعتبار للمعلم: رفع أجور الحصص، وتدريبه على التعليم الرقمي، والسماح له بإنتاج محتوى رسمي مدفوع.. بالاضافة الى دمج المنصات المرخصة مع المدرسة: ويمكن اعتماد علامات اختباراتها كجزء من التقييم المدرسي بنسبة 10-15%... كل ذلك يترافق مع القيام بحملة توعية للأهالي: "المنصة المرخصة أمان لابنك".
ويختم د. المساد: "بهذه الإجراءات ننتقل من تجريم المنصات إلى تنظيم السوق.. والهدف خلق منافسة جودة تحت مظلة الدولة".

الخاتمة: هل نخسر التعليم؟

حول ذلك، يقول أ.د محمد الفرجات: "المطلوب ليس العودة إلى الماضي حرفياً، وإنما استعادة جوهر ذلك النموذج وتحديثه بالتكنولوجيا، لا استبداله بها".
وتقول د. الطراونة كلمتها الأخيرة: "حين تصبح المدرسة مكاناً للدوام، والمنصة مكاناً للتعليم، والدوسية مكاناً للمعرفة… ماذا بقي من المدرسة؟ لا نريد طالباً أتقن الدوسية، بل طالباً أتقن المعرفة".

(بين 1921 واليوم، قطع التعليم الأردني شوطاً طويلاً... لكن يبدو أن المعركة الحالية ليست على المناهج فقط، بل على "فلسفة التعليم" نفسها: هل نحن نبني متعلماً، أم نبني علامة؟
الإجابة، كما يقولون، ليست عند المنصة... الإجابة في المدرسة).

يبقى القول أن ما ورد أعلاه لا يهدف لاتهام جهة بعينها، بل لفتح نقاش وطني حول مستقبل التعليم...
مع التأكيد أن باب صحيفة "الأنباط" مفتوح لوزارة التربية والتعليم ولأي جهة أخرى للرد والتوضيح ...