نبض البلد - الأردن الكلام الذي يجب أن يُقال قبل فوات الأوان
هناك حقيقة لا يجوز أن نهرب منها الأردن بخير من حيث بقاؤه وصموده لكنه ليس بخير من حيث حجم الضغط الذي يعيشه المواطن. وبين الأمرين فرق كبير فالدولة ما زالت واقفةوالمؤسسات موجودة والاستقرار محفوظ وهذا إنجاز لا يجوز إنكاره لكن المواطن الذي يواجه كلفة الحياة كل يوم لا يستطيع أن يعيش على فكرة أن البلد صامد فقط بل يريد أن يعرف متى سيشعر أن صموده انعكس على حياته ومستقبل أبنائه.
هنا تبدأ القصة الحقيقية نحن نتحدث كثيرًا عن النمو والاستثمار والمشاريع والإصلاح بينما المواطن ينظر إلى راتبه وإلى أسعار ما يشتريه وإلى فاتورة التزاماته ثم يسأل السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب أن يلغيه أين نصيبي من كل هذا؟ لا يريد المواطن أن يدخل في جدل الأرقام والمؤشرات يريد عملًا لشاب تخرج ودخلًا يحفظ كرامة الأسرة وخدمات تستحق ما يدفعه وإدارة لا تجعل الحصول على الحق رحلة طويلة بين المكاتب.
الأشد وجعًا أن المشكلة لم تعد في الحاضر وحده بل في الإحساس بأن المستقبل أصبح مجهولًا. شاب يدرس سنوات ثم يكتشف أن الشهادة لا تكفي وأسرة تؤجل قراراتها لأن تكاليف الزواج والسكن أصبحت فوق قدرتها وموظف يعمل بكامل طاقته لكنه يشعر أن راتبه يذوب قبل نهاية الشهر. وعندما يصبح الطموح الطبيعي للإنسان هو مجرد القدرة على الاستمرارفهذه إشارة يجب أن تؤخذ بجدية لا أن تُختزل في عبارة الظروف صعبة.
أما ملف الدين والعجز فلا مكان فيه للتخويف ولا للتجميل. الأردن ليس دولة غنية بالموارد وهو يعيش وسط إقليم مضطرب ويتحمل أعباء ثقيلةولذلك فإن إدارة المال العام ليست تفصيلًا ماليًا إنها قضية مستقبل. السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح ليس فقط كم نقترض وإنما ماذا ننتج مقابل ما ننفق؟ هل يتحول الإنفاق إلى اقتصاد أقوى وفرص عمل وإيرادات مستدامةأم أننا نستهلك اليوم ونترك فاتورة الغد لمن لم يشارك أصلًا في صناعة القرار؟
ومن هنا تأتي قضية الواسطة والمحسوبية قد لا تكون كل فرصة ضائعة سببها واسطة وقد يكون كثير مما يتداوله الناس مبالغًا فيه لكن مجرد انتشار الاعتقاد بأن العلاقات تسبق الكفاءة يكفي ليكون جرس إنذار لأن المجتمع الذي يفقد فيه الشاب إيمانه بأن اجتهاده طريق للنجاح يخسر أكثر من وظيفة يخسر الدافع للعمل والابتكار والانتماء. العدالة في الفرص ليست رفاهيةبل جزء من الأمن الاجتماعي.
ولا يصح أن نضع كل الخلل على الحكومة وحدها. هناك برلمان وأحزاب وقطاع خاص ونقابات وإعلام ومؤسسات رقابية وكل طرف له نصيبه من المسؤولية. لكن الحكومة تبقى في مركز المحاسبة لأنها صاحبة القرار التنفيذي ولذلك فإن المعيار الحقيقي لأي حكومة ليس عدد الاجتماعات ولا حجم التصريحات ولا كثرة الخطط، وإنما ما الذي تغير في حياة الناس بعد كل ذلك. الناس لا تقيس الحكومات بما تقول عن نفسها تقيسها بما تراه حولها.
ولهذا فإن المطلوب ليس حكومة تقول إن كل شيء ممتازولا شارعًا يردد أن كل شيء فاشل كلاهما يزوّر الواقع المطلوب دولة تمتلك شجاعة الاعتراف ومواطن يمتلك مسؤولية النقد وإعلام يفرق بين المعلومة والإشاعةومعارضة تقدم بدائل بدل الاكتفاء بالرفض. إذا كانت الإمكانات محدودة فلنسمع الحقيقة وإذا كان الإصلاح طويلًا فلنعرف مدته. وإذا كان هناك تقصير، فليُحدد المسؤول عنه. الوضوح لا يضعف الدولةالغموض هو الذي يأكل الثقة ببطء.
والأردني لا يريد أن يعيش على الإحسان ولا يطلب المستحيل، ولا يريد أن تُفتح له الأبواب لأنه يعرف شخصًا مهمًا. يريد شيئًا أكثر بساطة أن يكون القانون واضحًا والفرصة عادلةوالمؤسسة محترمة والمسؤول قابلًا للمساءلةوالجهد له قيمة. يريد أن يشعر أن الدولة تراه كما ترى الدولة نفسها مواطنًا له حقوق وعليه واجبات وليس مجرد رقم يظهر وقت الانتخابات أو في الإحصاءات.
وهنا يجب أن نقول الحقيقة التي قد تكون أكثر إيلامًا من كل ما سبق الخطر الأكبر ليس في غضب الناس بل في فقدانهم الإحساس بأن الغضب يمكن أن يغير شيئًا. الغضب دليل على أن الإنسان ما زال يريد الإصلاح، أما اللامبالاة فهي اللحظة التي يبدأ فيها المواطن بالانسحاب من الأمل. وحين يصل الإنسان إلى قناعة أن الكفاءة لا تكفي وأن الكلام لا يغير، وأن المستقبل سيبقى كما هو تصبح معالجة الأرقام أسهل من معالجة ما انكسر في النفوس.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الكلام إلى نعي للأردن. الأردن ليس بلدًا بلا قدرةولا شعبًا بلا إرادةهذا وطن استطاع أن يبقى واقفًا في منطقة سقطت فيها دول وتغيرت خرائط وشعبه أثبت مرارًا أنه يعرف معنى الصبر والمسؤولية. لكن الصبر الأردني ليس تفويضًا مفتوحًا والاستقرار ليس بديلًا عن التنمية والأمن لا يغني عن العدالة والإنجازات السابقة لا تعفي من مواجهة أخطاء الحاضر.
نحن لا نحتاج إلى هدم الدولة بل إلى إصلاح ما يضعفها. لا نحتاج إلى كسر هيبة المؤسسات بل إلى جعل هذه الهيبة نابعة من الكفاءة والعدل. لا نحتاج إلى إشعال الشارع بل إلى أن تصل أصوات الناس قبل أن تضطر إلى الصراخ.
الأردن اليوم لا يحتاج مزيدًا من الكلمات الكبيرةيحتاج أفعالًا صغيرة يلمسها المواطن في تفاصيل يومه.
هذه ليست معركة بين الشعب والدولةولا بين موالاة ومعارضة. إنها معركة أعمق هل نستطيع أن نردم الفجوة بين ما نطمح إليه وما نعيشه؟
والوقت ليس مفتوحًا.
لأن المواطن قد يتحمل الغلاء ويتحمل الظروف ويتحمل صعوبة المرحلةلكنه لا يستطيع أن يتحمل إلى ما لا نهاية شعورًا بأن الأمور لا تتغير مهما تغيرت الوجوه والخطط.
لذلك لا نريد أن نقنع الأردني بأن الغد جميل بالكلمات.
اصنعوا غدًا يستطيع الأردني أن يراه بعينيه.
عندها لن يحتاج أحد إلى الدفاع عن الأردن بالكلام فالواقع نفسه سيدافع عنه.
الأردن لا يحتاج من يجمّل صورته أمام أبنائه بل يحتاج من يملك الشجاعة ليصلح ما يؤلمهم.
لأن الوطن الذي نحبه لا نحميه بالصمت عن أوجاعه ولا نحميه بتضخيمها حتى اليأس.
نحميه بالحقيقة والعدل والعمل.
وهذه ليست جرأة على الأردن
هذه جرأة من أجل الأردن