نبض البلد - د. حازم قشوع
الهندسة السياسية، كما تناولتها في كتاب «وطن النجوم والهندسة السياسية»، لا تعني إدارة السياسة بمعناها التقليدي، ولا تقتصر على صناعة التحالفات أو توزيع النفوذ، وإنما تعني القدرة على إعادة ترتيب عناصر القوة والمصلحة والعلاقات بما ينتج موقعاً أكثر قدرة على التأثير والاستجابة للتحولات. فالدولة في عالم سريع التغير لا تقاس قوتها فقط بما تملكه من أدوات، وإنما بقدرتها على توظيف ما لديها من جغرافيا وشرعية وموقع وعلاقات ومصالح، وتحويلها إلى شبكة متكاملة من عناصر القوة.
ومن هذا المنظور، فإن هندسة الشراكات تمثل أحد أهم تطبيقات الهندسة السياسية في المرحلة الراهنة؛ إذ لم تعد الدولة قادرة على بناء أمنها واقتصادها ومكانتها من خلال شراكة واحدة أو محور واحد، وإنما أصبحت بحاجة إلى تعدد الشراكات وتنوعها، بحيث تتكامل العلاقات ولا تتصادم، وتتوزع المصالح من دون أن تتوزع البوصلة الوطنية. وهنا تظهر خصوصية النموذج الأردني الذي يقوم على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية، وتحويل الموقع الجغرافي والسياسي والأمني للأردن من مجرد واقع مفروض إلى أداة تأثير وشراكة.
ومن هنا يمكن قراءة زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بصورة مختلفة؛ فهي ليست مجرد محطة في العلاقات الأردنية الصينية، ولا رحلة اقتصادية تبحث عن استثمارات جديدة فقط، وإنما جاءت في لحظة تعاد فيها صياغة خرائط المنطقة وموازين القوة فيها؛ ولذلك فإن قراءة الزيارة من زاوية الاتفاقيات وحدها قد تحجب معناها الأعمق، وهو إعادة هندسة موقع الأردن داخل منظومة إقليمية ودولية آخذة في التحول.
فالأردن لا ينتقل من شريك إلى شريك، ولا يستبدل محوراً بمحور، وإنما يبني شبكة من الشراكات المتوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والدول العربية، بما يوسع قدرته على الحركة ويحمي مصالحه في مرحلة لم تعد فيها السياسة الدولية تقوم على مركز واحد.
وهنا تأتي أهمية توقيت الزيارة. ففي الوقت الذي كان فيه الملك يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، كانت عمّان تؤدي دوراً مختلفاً في الإقليم؛ إذ استضاف الأردن، بوساطة أميركية، اجتماعاً سورياً إسرائيلياً رفيع المستوى لبحث خفض التصعيد في أعقاب التوترات والضربات الإسرائيلية على سوريا.
وهنا تتضح الصورة بصورة أكبر؛ الأردن لا يريد أن يكون مجرد متلقٍ للأمن، وإنما شريكاً في صناعة الأمن الإقليمي. فاستضافة مثل هذا الاجتماع في عمّان تؤكد أن الأردن يمتلك رصيداً سياسياً وأمنياً يؤهله للقيام بدور الوسيط والقادر على جمع الأطراف عندما تضيق مساحات الحوار، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها المصالح الأميركية والتركية والإسرائيلية والسورية.
وهذا الدور الأمني لا ينفصل عن الدور السياسي للملك؛ فالأردن، الذي يرتبط بعلاقة استراتيجية مع واشنطن، يستطيع في الوقت نفسه أن يفتح نافذة للحوار مع دمشق وتل أبيب، وأن يحافظ على علاقاته العربية والأوروبية، ثم يذهب إلى بكين للقاء القيادة الصينية. أي أنه يتحرك في دوائر متعددة من دون أن يتحول إلى جزء من صراع المحاور، وهذه هي هندسة الشراكات بمعناها الأوسع.
فالولايات المتحدة تمثل للأردن شراكة أمنية واستراتيجية لا يمكن تجاوزها، وأوروبا تمثل عمقاً اقتصادياً وسياسياً وتنموياً، والصين تمثل قوة دولية صاعدة ذات ثقل اقتصادي وتكنولوجي وسياسي متزايد. أما الأردن، فميزته أنه يستطيع أن يربط هذه الدوائر بعضها ببعض بحكم موقعه واستقراره ودوره.
ومن هنا فإن الذهاب إلى الصين لا يعني الابتعاد عن واشنطن، كما أن توسيع العلاقات مع الصين لا يعني البحث عن بديل أميركي؛ بل يعني أن الأردن يريد أن يكون شريكاً لدى الجميع، لا تابعاً لمحور واحد. وهذه المعادلة تكتسب أهمية أكبر ونحن نقترب من أيلول، موعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تدخل القضية الفلسطينية مرحلة سياسية جديدة، وسيكون السؤال الدولي الأساسي: هل يستطيع المجتمع الدولي الانتقال من إدارة الحرب والأزمة الإنسانية إلى إنتاج مسار سياسي حقيقي يقوم على حل الدولتين؟..
الأردن هنا لا يدخل استحقاق أيلول من موقع المتفرج؛ فهو يحمل موقفاً سياسياً ثابتاً تجاه الدولة الفلسطينية والقدس ورفض التهجير وحل الدولتين، وفي الوقت ذاته يمتلك قنوات اتصال مع واشنطن وبكين وأوروبا والعالم العربي، كما يمتلك دوراً أمنياً في الإقليم يسمح له بالمساهمة في خفض التصعيد. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين بكين وعمّان وواشنطن بصورة مختلفة؛ فالصين تستطيع أن تكون قوة دولية داعمة للمسار السياسي والقانون الدولي، والولايات المتحدة تملك مفاتيح أساسية في الأمن والسياسة الإقليمية، بينما يمتلك الأردن الجغرافيا والشرعية السياسية والخبرة الأمنية وقنوات الاتصال التي تمكنه من ترجمة هذه المساحات إلى مبادرات قابلة للحياة.
ولذلك فإن قوة الأردن في المرحلة المقبلة لن تكون في امتلاكه أدوات القوة التقليدية، وإنما في امتلاكه قدرة الربط بين القوى المختلفة. إنها هندسة سياسية وأمنية واقتصادية في آن واحد؛ فالملك عندما يذهب إلى بكين لا يحمل معه فقط ملفاً اقتصادياً، وإنما يحمل معه صورة الأردن كدولة مستقرة تستطيع أن تكون جسراً بين الشرق والغرب، وبين السياسة والأمن، وبين الاقتصاد والدبلوماسية.
وعندما تستضيف عمّان حواراً سورياً إسرائيلياً بوساطة أميركية، فهي لا تقوم بدور الوسيط فقط، وإنما تؤكد أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقيم من دون الأردن. وعندما يلتقي الملك بالرئيس الصيني، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود العلاقات الثنائية، بل تقول إن الأردن يريد أن يكون حاضراً في النظام الدولي الجديد، وأن يحول تعدد مراكز القوة إلى فرصة لتعزيز موقعه لا إلى سبب للانقسام.
ولهذا فإن عنوان المرحلة ليس «الانحياز إلى الشرق أو الغرب»، وإنما هندسة المصالح بين الشرق والغرب. وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من زيارة الملك إلى الصين؛ أن الأردن لا يعيد هندسة علاقاته الخارجية فحسب، بل يعيد هندسة دوره نفسه؛ من دولة تقع في منطقة مضطربة إلى دولة تسهم في تهدئتها، ومن دولة تتأثر بالتحولات الدولية إلى دولة تحاول التأثير فيها، ومن شريك يبحث عن الدعم إلى شريك يملك ما يقدمه.
وعند بوابة أيلول تبدو هذه المعادلة أكثر وضوحاً؛ فالأردن يحتاج إلى اقتصاد متعدد الشراكات، وأمن متعدد القنوات، ودبلوماسية متعددة المسارات، مع بقاء البوصلة الوطنية ثابتة. لكن هندسة الشراكات الخارجية، إذا أريد لها أن تنتج قوة حقيقية، تحتاج بالضرورة إلى بيئة داخلية أكثر قدرة على استيعاب هذه التحولات، وإلى اقتصاد أكثر إنتاجية.
ومؤسسات أكثر كفاءة، وفضاء سياسي قادر على تحويل الموقع الأردني من ميزة جغرافية إلى قيمة مضافة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي عند بوابة أيلول ليس فقط ماذا سيحدث في الإقليم؟ وإنما ماذا سيفعل الأردن بهذه اللحظة؟ فربما يكون أيلول بداية مرحلة لا تعيد ترتيب علاقات الأردن الخارجية فحسب، بل تفتح الباب أمام إعادة ترتيب البيت الداخلي بما ينسجم مع الدور الجديد للأردن؛ لأن من يعيد هندسة موقعه في العالم، لا بد أن يعيد في الوقت نفسه هندسة أدواته في الداخل ..!؟