نبض البلد - لا هاجس للعقل العربي أكثر من هاجس "الحرية" فالمشكلة التي عاشها عبر التاريخ وما زال يكابدها هي مشكلة الحرية؛ فالعقل بلا حرية هو شبه عقل، لا عقل متكامل ولا حر، وإتسان بدون حرية شبه إنسان، لا إنسان كامل.
الحرية بالمطلق ليست موجودة ولكن نسبة عالية من الحرية يتمتع بها العقل تكون كافية لازدهاره وتقدمه.
والحرية مفهوم عقلي مجرد ولكن العمل والفعل المتصل بها هو ما يستطيع المرء عمله، فلم تتم إلى الآن عملية التحرر للإنسان العربي ولا لعقله المكبل بألف وألف قيد.
تبدأ عملية التحرر كما دلنا الفيلسوف ديكارت بالشكّ المنهجي بكل معارفنا السابقة بحيث نستطيع أن ننقد كل موروثنا العلمي والأدبي والديني والاجتماعي، ونعرضه للفحص الدقيق؛ فما ثبت منه نبقيه ونستفيد منه وما لم تثبت صلاحيته للحاضر والمستقبل نرميه ونواصل السير نحو معارف وعلوم جديدة نبنيها بأنفسنا.
أما ثاني خطوات الحرية والتحرر فهو امتلاك الشجاعة الكافية للتفكير بأنفسنا ومواجهة الأنا القومية والوطنية والدينية والاجتماعية والسلوكية، بنقدها نقدا علميا وعمليا للتخلص من كل ما هو فاسد فيها.
أما ثالث خطوات العقل العربي نحو الحرية والتحرر فمطالبته بحرية التعبير التي هو جوهر هذه الحرية وبحماية هذه الحرية التي عند الآخرين، متمثلين بقول فولتير العظيم : "مستعد أن ادفع حياتي ثمنا في سبيل أن تعبر عن نفسك".
عملية التحرر الذاتي والوطني والقومي والإنساني عملية متصلة بعضها ببعض، فلن استطيع أن اعيش حراً في وطن مكبل ولا أن أتمتع بحريتي في عالم يخضع للعبودية والاسترقاق، فالحرية كل لا يجزأ، ودرة هذه الحريات هي حرية العقل، الذي له الشجاعة على التفكير وقادر على نقد ذاته والتحرر من غرائزه وانفعالاته السلبية.
حرية العقل الفردي والجماعي هي درة الحريات فلا مناص من الحصول عليها ليستطيع العقل العربي أن يفكر وينقد ويبدع .
د. جورج الفار