نبض البلد - تُعد الجامعات الوطنية من أهم مؤسسات بناء الدولة وصناعة المستقبل، ويُعد عضو هيئة التدريس، وخاصة الأستاذ برتبة الأستاذية، أحد أهم أعمدة هذه المؤسسات؛ بما يمتلكه من علم وخبرة وتجربة تراكمت عبر عقود من التدريس والبحث العلمي والإشراف وخدمة الجامعة والمجتمع.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش الهادئ والعلمي: هل بلوغ عضو هيئة التدريس سن السبعين يعني بالضرورة انتهاء قدرته على العطاء؟ وهل من الحكمة أن نخسر خبرات أكاديمية وعلمية كبيرة لمجرد بلوغ سن معينة، رغم تمتعه بالصحة والقدرة على التدريس والإشراف والبحث؟
لقد نص قانون الجامعات الأردنية رقم (18) لسنة 2018 على انتهاء خدمة عضو هيئة التدريس عند بلوغ سن السبعين، في حين كانت تشريعات سابقة قد جعلت السن الخامسة والسبعين حدًا لانتهاء الخدمة. وهذا التغيير التشريعي يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين تجديد الدماء الأكاديمية وإتاحة الفرص أمام الأجيال الجديدة، وبين المحافظة على الخبرات والكفاءات التي يصعب تعويضها.
ومن وجهة نظر شخصية، فإن بلوغ السبعين لا ينبغي أن يكون وحده معيارًا لإنهاء خدمة الأستاذ الجامعي، بل ينبغي أن تكون هناك معايير موضوعية تتعلق بالصحة والقدرة على العطاء والإنتاج العلمي والقدرة على التدريس والإشراف، مع إمكانية التقييم الدوري وفق أسس واضحة وعادلة.
كما أن من المهم، من الناحية القانونية، دراسة أوضاع أعضاء هيئة التدريس الذين عُيّنوا في الجامعات في ظل تشريعات كانت تحدد سن انتهاء الخدمة بخمس وسبعين سنة. فمسألة تطبيق التعديلات التشريعية على المراكز القانونية القائمة، ومدى تأثيرها في الحقوق المكتسبة، مسألة قانونية دقيقة تستحق دراسة متخصصة من رجال القانون والخبراء، ولا يجوز حسمها بالاجتهاد الشخصي، بل ينبغي الرجوع فيها إلى النصوص التشريعية والاجتهادات القضائية ذات الصلة.
وفي السياق نفسه، فإن عضو هيئة التدريس الذي يبلغ السبعين أثناء العام الدراسي يستحق، في رأيي، أن تُراعى طبيعة العام الجامعي، بحيث لا يُترك في منتصف الفصل الدراسي أو قبل إتمام التزاماته الأكاديمية، إذا كان النظام القانوني النافذ يسمح له بإكمال العام الدراسي. فالمسألة ليست مجرد وظيفة تنتهي في تاريخ محدد، وإنما هناك طلبة ومحاضرات ومشروعات تخرج ورسائل ماجستير ودكتوراه وإشراف علمي والتزامات أكاديمية تمتد طوال الفصل والعام الجامعي.
وهنا تظهر أهمية أن تكون التشريعات والأنظمة والتعليمات واضحة، وأن تضمن انتقالًا منظمًا يحفظ حقوق الجامعة والطلبة وعضو هيئة التدريس في آن واحد.
إن الجامعات التي تطمح إلى المنافسة محليًا وعربيًا وعالميًا تحتاج إلى الاحتفاظ بالكفاءات العلمية المتميزة، خصوصًا في التخصصات التي تعاني نقصًا في رتبة الأستاذ أو تحتاج إلى خبرات متراكمة للإشراف على برامج الدراسات العليا. فوجود أساتذة ذوي خبرة في الأقسام والكليات يعزز قدرتها على تقديم برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ويرفع من جودة التعليم والبحث العلمي، ويسهم في استقطاب الطلبة من داخل الأردن وخارجه.
وفي العديد من الجامعات العالمية، لا يُنظر إلى سن الأستاذ الجامعي باعتباره نهاية حتمية للعطاء، وإنما يُنظر إلى الكفاءة والإنتاجية والقدرة الصحية والأكاديمية. فالأستاذ الذي ما زال قادرًا على التدريس والبحث العلمي والإشراف وخدمة جامعته يمكن أن يمثل قيمة مضافة حقيقية، وقد تكون خبرته الطويلة عاملًا مهمًا في بناء الأجيال الجديدة من أعضاء هيئة التدريس.
ومن هنا، فإنني أرى أن من المفيد إعادة فتح ملف سن انتهاء خدمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية، ليس من أجل إبقاء الجميع حتى سن الخامسة والسبعين بصورة تلقائية، وإنما من أجل وضع نظام مرن وعادل يتيح للأستاذ المتميز والقادر صحيًا وعلميًا أن يستمر في العطاء حتى الخامسة والسبعين، وفق تقييم موضوعي ودوري، وبما يحقق مصلحة الجامعة والطلبة والوطن.
كما أن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي ضرورة المحافظة على حقوق أعضاء هيئة التدريس ومكتسباتهم وعدم المساس بها بصورة تؤثر في الاستقرار الأكاديمي أو تقلل من جاذبية العمل الجامعي. فعضو هيئة التدريس ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل وينتهي دوره، بل هو شريك أساسي في نجاح الجامعة، وفي المحافظة على جودة خريجيها، وفي بناء سمعتها، وفي قدرتها على المنافسة واستقطاب الطلبة.
إن عضو هيئة التدريس له دور كبير في التسويق للجامعة من خلال سمعته العلمية وعلاقاته الأكاديمية وأبحاثه وشبكاته الدولية، وله دور في استقطاب الطلبة، وفي تطوير البرامج، وفي رفع مستوى التشغيل للخريجين، وفي بناء شراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية. وكلما كانت الجامعة قادرة على المحافظة على كفاءاتها المتميزة، ازدادت قدرتها على المنافسة وتحقيق أهدافها.
إن الإصلاح الجامعي الحقيقي لا يكون فقط بتعديل القوانين والأنظمة، بل يبدأ من الاستماع إلى أهل الميدان؛ إلى الأساتذة والطلبة والإدارات الجامعية والخبراء، وإلى كل من عاش التجربة الأكاديمية ويدرك تحدياتها واحتياجاتها. فالقرار الناجح هو الذي يستند إلى المعرفة والخبرة والواقع، ويوازن بين مصلحة الأجيال الجديدة والمحافظة على الخبرات المتراكمة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: كم بلغ الأستاذ من العمر؟ بل: ماذا يستطيع أن يقدم؟
فإذا كان الأستاذ قد تجاوز السبعين، وما زال بصحة جيدة، وقادرًا على التدريس والإشراف والبحث العلمي والعطاء، فإن الاستفادة من خبرته حتى سن الخامسة والسبعين قد تكون مكسبًا للجامعة والوطن، وليست عبئًا عليهما.
فالخبرة العلمية لا تُقاس بعدد السنوات فقط، والعطاء لا يتوقف عند رقم في شهادة الميلاد، والجامعة التي تحافظ على علمائها وخبراتها هي جامعة تحافظ على مستقبلها.
والجامعات تستطيع أن تستوعب خريجين من جامعات من اول ٥٠٠جامعه على مستوى العالم أو من خريجي جامعات وطنيه إذا قامت الإدارات الجامعيه بإلغاء التدريس الإضافي عند اي عضو هيئة تدريس والاكتفاء في نصابها والغاء أو تقنين أو تقليل التدريس عن بعد فلا يعقل أن يكون في الشعبه مائه أو أكثر بكثير فامام ذلك تستطيع الجامعات الوطنيه القران بتعيينات والمحافظه على أعضاء هيئة التدريس لمن تجاوز السبعين والبقاء ما زال بصحة جيده أو لسن ٧٥
مصطفى محمد عيروط