تجربتان متشابهتان.. ونتيجتان مختلفتان
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم يكن منتخبا الأردن والرأس الأخضر مجرد منتخبين يشاركان في كأس العالم 2026 لأول مرة في تاريخهما، بل دخلا البطولة بوصفهما قصتين ملهمتين لكرة القدم خارج القوى التقليدية. كلاهما كتب صفحة تاريخية بالتأهل إلى المونديال لأول مرة، وكلاهما دخل المنافسات دون ضغوط الترشيحات، لكن مع نهاية الدور الأول خرجت قصتان مختلفتان تماماً؛ الرأس الأخضر تحول إلى إحدى مفاجآت البطولة العالمية، بينما ودع المنتخب الأردني المنافسات من دون أي نقطة، لتفتح المقارنة الباب أمام أسئلة فنية ورياضية مهمة بعيداً عن العاطفة.
ورغم أن المنتخبين ينتميان إلى دول لا تصنف ضمن عمالقة كرة القدم العالمية، إلا أن ظروف كل منهما مختلفة فالأردن يمتلك تاريخاً أطول في المنافسة الآسيوية، وبلغ نهائي كأس آسيا 2023، وحقق نتائج مميزة خلال السنوات الأخيرة، فيما يعد الرأس الأخضر منتخباً حديث العهد نسبياً على الساحة الدولية، ولم يسبق له المشاركة في كأس العالم، كما أن إنجازاته القارية تقتصر على بلوغ الأدوار المتقدمة في كأس الأمم الأفريقية دون تحقيق اللقب.
لكن ما جمع المنتخبين كان حلم المشاركة الأولى في كأس العالم، بينما ما فرقهما كان الأداء داخل الملعب.
ولم تكن القرعة رحيمة بأي من المنتخبين إلا أن مجموعة الرأس الأخضر بدت أكثر تعقيداً على الورق. فقد وقع في المجموعة الثامنة إلى جانب منتخب إسبانيا بطل العالم 2010 وأحد أقوى المنتخبات الأوروبية، ومنتخب أوروغواي صاحب التاريخ العريق وبطل العالم مرتين، إضافة إلى المنتخب السعودي الذي يمتلك خبرة مونديالية كبيرة أما الأردن فجاء في المجموعة العاشرة التي ضمت الأرجنتين حاملة اللقب، والجزائر، والنمسا.
ورغم هذا الفارق في قوة المنافسين قدم الرأس الأخضر بطولة استثنائية افتتح مشاركته بتعادل سلبي مع إسبانيا، ثم فرض التعادل 2-2 على أوروغواي، قبل أن يتعادل أيضاً مع السعودية دون أهداف، ليجمع ثلاث نقاط ويتأهل إلى دور الـ32 ضمن أفضل المنتخبات المتأهلة، مسجلاً إنجازاً تاريخياً باعتباره أصغر دولة سكاناً تبلغ الأدوار الإقصائية في تاريخ كأس العالم.
ولم يتوقف إنجاز الرأس الأخضر عند التأهل، بل واصل كتابة قصته في دور الـ32 عندما أجبر الأرجنتين، حاملة اللقب، على خوض شوطين إضافيين قبل أن يخسر 3-2 بهدف عكسي، بعدما عادل النتيجة مرتين وقدم واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة. حتى المدرب الأرجنتيني واللاعبون اعترفوا بصعوبة المواجهة، بينما تحولت قصة الرأس الأخضر إلى إحدى أبرز قصص النجاح في مونديال 2026.
في المقابل لم يتمكن المنتخب الأردني من ترجمة ظهوره التاريخي إلى نتائج. فقد خسر أمام الجزائر ثم أمام الأرجنتين وأخيراً أمام النمسا، لينهي مشاركته من دون نقاط ويغادر البطولة من الدور الأول، رغم امتلاكه مجموعة من اللاعبين الذين صنعوا إنجاز الوصول إلى نهائي كأس آسيا وحققوا نتائج مميزة في التصفيات المؤهلة للمونديال.
وإذا كانت النتائج وحدها لا تكفي للحكم، فإن قراءة الأداء داخل الملعب تكشف جانباً آخر من الفوارق. فالرأس الأخضر لم يكن الأكثر استحواذاً أو امتلاكاً للنجوم، لكنه كان من أكثر المنتخبات انضباطاً تكتيكياً. ظهر الفريق بكتلة دفاعية متماسكة، وضغط جماعي، والتزام واضح بالأدوار، مع قدرة كبيرة على التحول السريع واستغلال أنصاف الفرص. كما أظهر لاعبوه مستوى بدنياً مرتفعاً مكنهم من مجاراة منتخبات تفوقهم في الإمكانات الفردية طوال 90 دقيقة، بل وحتى في الأشواط الإضافية أمام الأرجنتين.
أما النشامى فعانى المنتخب الأردني في أكثر من مباراة من انخفاض النسق البدني مع مرور الوقت، وظهرت الفجوات بين الخطوط بصورة واضحة، كما افتقد الفريق الفاعلية الهجومية أمام المرمى، ولم يتمكن من الحفاظ على التوازن الدفاعي أمام منتخبات استغلت أخطاءه بصورة مباشرة.
ومن أبرز أوجه الاختلاف أيضاً الجانب الذهني، فالرأس الأخضر لعب كل مباراة وكأنها نهائي مستقل، دون تأثر بأسماء المنافسين، بينما بدا الأردن في بعض الفترات متأثراً برهبة الحدث العالمي، وهو أمر طبيعي في المشاركة الأولى، لكنه يحتاج إلى معالجة مستقبلية من خلال زيادة الاحتكاك الدولي والاستعداد الذهني للمنافسات الكبرى.
كما تكشف التجربتان أن حجم الدولة أو تاريخها الكروي لا يحدد بالضرورة نتائجها في البطولات الكبرى. فالرأس الأخضر، الذي لا يتجاوز عدد سكانه نحو نصف مليون نسمة، استطاع أن ينافس مدارس كروية عريقة ويبلغ الأدوار الإقصائية، بينما لم ينجح الأردن، صاحب المشروع الكروي المتطور خلال السنوات الأخيرة، في ترجمة إنجاز التأهل إلى نتائج داخل الملعب.
ولا يعني ذلك أن تجربة الأردن كانت فاشلة بالكامل، فمجرد التأهل لأول مرة إلى كأس العالم يمثل محطة تاريخية ستبقى في سجل الكرة الأردنية، لكن التجربة أظهرت أيضاً أن الوصول إلى المونديال هو بداية الطريق وليس نهايته. فالمنتخبات التي تريد تثبيت حضورها عالمياً تحتاج إلى تطوير الإعداد البدني، وزيادة جودة المنافسات الودية، وتعميق الخيارات الفنية، ورفع مستوى الاحتكاك مع المدارس الكروية المختلفة.
وفي المقابل قدم الرأس الأخضر نموذجاً يؤكد أن التنظيم والانضباط والجاهزية الذهنية قد تعوض فارق الإمكانات، وأن المنتخبات الصغيرة قادرة على صناعة المفاجآت عندما تمتلك مشروعاً واضحاً داخل الملعب.
وبالمحصلة لا ينبغي أن تتحول المقارنة إلى محاكمة للمنتخب الأردني، بل إلى فرصة للتعلم فالفارق الحقيقي بين التجربتين لم يكن في الحلم، لأن المنتخبين حققاه معاً، وإنما في كيفية إدارة هذا الحلم بعد الوصول إلى كأس العالم، لقد دخل الأردن والرأس الأخضر البطولة من الباب ذاته، لكن أحدهما اكتفى بكتابة سطر في التاريخ، بينما كتب الآخر فصلاً كاملاً أصبح من أجمل حكايات مونديال 2026.