المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية
رئيس شبكة بيئة ابوظبي
في عالم يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، لم يعد الشباب مجرد فئة عمرية تمثل مستقبل الأوطان، بل أصبحوا قوة حقيقية تقود التغيير وتصنع المستقبل منذ اليوم. وفي الأردن، حيث يشكل الشباب نسبة مهمة من المجتمع، تبرز فرصة تاريخية لتحويل هذه الطاقة البشرية إلى محرك رئيسي للتنمية المستدامة وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات.
لقد أثبت الشباب الأردني خلال السنوات الماضية قدرة لافتة على الابتكار والإبداع في مختلف المجالات، من التكنولوجيا وريادة الأعمال إلى العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية. ورغم التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة بشكل عام، نجح العديد من الشباب الأردنيين في تحويل الأفكار إلى مشاريع، والتحديات إلى فرص، والطموحات إلى قصص نجاح ملهمة تجاوزت حدود الوطن إلى الساحة الإقليمية والدولية.
واليوم، تكتسب هذه القدرات أهمية مضاعفة في ظل التحولات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي والاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي. فالعالم يتجه نحو أنماط جديدة من التنمية تعتمد على المعرفة والابتكار والاستدامة، وهي مجالات يمتلك الشباب فيها ميزة تنافسية كبيرة بفضل قدرتهم على التعلم السريع والتكيف مع المتغيرات واستيعاب التقنيات الحديثة.
إن التحول المستدام لا يقتصر على حماية البيئة أو خفض الانبعاثات الكربونية فحسب، بل يشمل بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة، وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وفي جميع هذه المحاور، يمثل الشباب الأردني شريكاً أساسياً في صناعة الحلول وليس مجرد مستفيد منها.
ويظهر ذلك بوضوح في تنامي المبادرات الشبابية المرتبطة بالطاقة المتجددة وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري وريادة الأعمال الخضراء. كما برزت مساهمات شبابية متميزة في مجالات التكنولوجيا الزراعية، والذكاء الاصطناعي، والابتكار البيئي، وهي مجالات ستلعب دوراً محورياً في مستقبل التنمية المستدامة خلال العقود القادمة.
ومن منظور المسؤولية المجتمعية، فإن الاستثمار في الشباب يُعد أحد أكثر الاستثمارات جدوى واستدامة. فكل فرصة تعليم أو تدريب أو تمكين تُمنح لشاب أو شابة اليوم، تتحول غداً إلى قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد والبيئة. ولذلك فإن تعزيز مشاركة الشباب في صنع القرار، ودعم الابتكار، وتوفير بيئة حاضنة للمبادرات الريادية، يعتبر جزءاً أساسياً من أي رؤية تنموية مستقبلية.
كما أن الشباب أنفسهم يتحملون مسؤولية مهمة في قيادة هذا التحول. فالمستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالمبادرة والعمل والإيمان بالقدرة على التغيير. والتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى غالباً ما كانت تبدأ بأفكار شابة تجرأت على الحلم والعمل معاً.
ويمتلك الأردن العديد من المقومات التي تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للابتكار وريادة الأعمال المستدامة، وفي مقدمة هذه المقومات رأس المال البشري المتمثل بشبابه المتعلم والطموح. وعندما تتكامل هذه الطاقات مع الرؤية الوطنية والدعم المؤسسي والاستثمار في المعرفة، فإن النتائج يمكن أن تكون استثنائية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي النهاية، فإن الحديث عن التحول المستدام في الأردن هو في جوهره حديث عن الشباب الأردني. فهم ليسوا فقط قادة المستقبل، بل شركاء الحاضر وصناع التغيير الحقيقي. وكلما توسعت مساحة الثقة والتمكين أمامهم، ازدادت قدرة الأردن على بناء نموذج تنموي أكثر استدامة وازدهاراً وقدرة على المنافسة في عالم سريع التغير.
إن الاستثمار في الشباب ليس خياراً تنموياً فحسب، بل هو استثمار في مستقبل الوطن نفسه، لأن الأوطان العظيمة تُبنى دائماً بعقول شبابها وإرادتهم وأحلامهم.