مركز وطني للإحصاءات الطبية: ركيزة سيادية لتعزيز الأمن الصحي في الأردن

نبض البلد -
مركز وطني للإحصاءات الطبية: ركيزة سيادية لتعزيز الأمن الصحي في الأردن

بقلم: الدكتور بكر محمود المعايطة
رئيس قسم العيون – مستشفى الأمير حمزة سابقاً / وزارة الصحة الأردنية

في ظل التوجيهات الملكية السامية بضرورة تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءتها، وفي انسجام واضح مع رؤية الدولة الأردنية في بناء منظومة متكاملة تقوم على المعرفة والابتكار، يبرز القطاع الصحي كأحد أهم ركائز الأمن الوطني، لا سيما في عالم باتت فيه البيانات هي الأساس في إدارة الأزمات وصناعة القرار.

لقد أثبتت التجارب العالمية، خصوصًا خلال جائحة كورونا، أن الدول التي تمتلك أنظمة دقيقة للإحصاءات الصحية كانت الأكثر قدرة على الاستجابة السريعة وحماية مجتمعاتها. ومن هنا، فإن الحديث عن إنشاء مركز وطني للإحصاءات الطبية في المملكة الأردنية الهاشمية لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة سيادية تندرج ضمن مفهوم الأمن الصحي الوطني.

إن الواقع الحالي، رغم ما يتمتع به الأردن من كفاءات طبية متميزة، لا يزال يعاني من تشتت البيانات الصحية بين المؤسسات، الأمر الذي يحد من القدرة على استثمارها بالشكل الأمثل في التخطيط الاستراتيجي. وهذا ما يستدعي الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على توحيد البيانات ضمن إطار وطني شامل، يضمن دقتها ويعزز الاستفادة منها في رسم السياسات الصحية.

إن إنشاء مركز وطني للإحصاءات الطبية يمثل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ نهج الدولة في اتخاذ القرار المبني على الأدلة، ويعزز من قدرة المؤسسات الصحية على تحديد الأولويات الوطنية، وتوجيه الموارد بكفاءة، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التحديات الصحية، سواء كانت أوبئة طارئة أو أمراضًا مزمنة متزايدة.

ولا يقف أثر هذا المشروع عند حدود الإدارة الصحية، بل يمتد ليشكل رافعة حقيقية للبحث العلمي والابتكار، من خلال توفير قاعدة بيانات وطنية موثوقة، تتيح للباحثين تطوير حلول علمية تسهم في تحسين مخرجات القطاع الصحي، وتعزز من مكانة الأردن كمركز إقليمي متقدم في مجالات الطب والبحث العلمي.

كما أن هذا المشروع ينسجم مع توجهات الدولة في التحول الرقمي، ويعكس التزامها بتبني أفضل الممارسات العالمية في إدارة البيانات، بما في ذلك التعاون مع المؤسسات الدولية الرائدة، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، بما يعزز من قدرة الأردن على مواكبة التطورات العالمية في هذا المجال.

غير أن تحقيق هذا الهدف الوطني يتطلب إرادة مؤسسية جامعة، تقوم على تطوير بنية تحتية تقنية آمنة، وإقرار تشريعات حديثة تضمن حماية البيانات وخصوصية المواطنين، إلى جانب الاستثمار في بناء كوادر وطنية مؤهلة في مجالات الإحصاء الطبي وتحليل البيانات، بما يضمن استدامة هذا المشروع الحيوي.

وفي هذا الإطار، فإن تبني هذه المبادر، يشكل نقطة تحول مفصلية، لما يحمله ذلك من دلالات وطنية عميقة، تعكس التزام الدولة بدعم المشاريع الريادية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، وتسهم في بناء مستقبل صحي أكثر كفاءة واستدامة.

إن إنشاء مركز وطني للإحصاءات الطبية هو استثمار في سيادة القرار الصحي الأردني، وتعزيز لقدرة الدولة على التخطيط الاستباقي، وترسيخ لمكانة الأردن كدولة رائدة في المنطقة في مجال الخدمات الصحية القائمة على البيانات. وهو خطوة ضرورية في مسيرة التحديث الشامل التي يقودها جلالة الملك، وتترجمها مؤسسات الدولة إلى واقع ملموس يخدم المواطن ويصون صحته.

إن المرحلة القادمة تتطلب قرارات جريئة، ومشاريع نوعية، وهذا المشروع يمثل أحد أبرز هذه الفرص التي تستحق أن ترى النور، لما تحمله من أثر مباشر على صحة الإنسان الأردني، الذي سيبقى دائمًا محور اهتمام الدولة وغايتها .